الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد في أفغانستان. مر النبأ كأنه من المسلمات السياسية في المنطقة والعالم، ولكأن حميد كرزاي الرئيس الأفغاني هو هوغو شافيز اليساري وارث عداء أجيال للإمبريالية الأميركية، وكأن أفغانستان هي فنزويلا المتمردة على الجار الأميركي القوي.
ما كاد يحول هذا التهيؤ واقعا أن الرئيس الايراني "تمرجل" على وزير الدفاع الأميركي روبيرت غيتس بسخرية حين سأله ـ عبر الأثير ـ: "ماذا تفعل أنت في هذه المنطقة؟ أنت على مسافة 12 ألف كيلومتر من الجانب الآخر للكرة الأرضية".
قبل ذلك بسنتين تماما (2 آذار 2008) زار نجاد العراق، ومن دون احتياطات أمنية خاصة، وفي البلدين، ورغم كلام الاستقلال والسيادة، يقع النظامان، شاءا أم أبيا، تحت الوصاية الأميركية، إن لم نقل الاحتلال الأميركي.
للمصادفة، وفي يوم زيارة نجاد أفغانستان، كان غيتس يزور السعودية "للبحث في زيادة القدرات الجوية والصاروخية للجيش السعودي من أجل تعزيز التسلح في الخليج في مواجهة تطوير إيران ترسانتها الصاروخية"، كما أفادت وسائل الاعلام العالمية.
في اليوم نفسه، نقلت هذه الوسائل قول مندوبة إسرائيل (الكيان الغاصب العدو..إلخ) لدى الأمم المتحدة غابرييلا شاليف "ان الفرص تبدو حالياً ضعيفة بالنسبة إلى عقوبات يمكن أن تشل إيران"، وختمت التصريح بتهديد لفظي لطهران.
ما تقوله هذه الوقائع هو أن العداء الإيراني - الاسرائيلي ـ الأميركي ليس سوى حبر على ورق، تماماً كما هو الاعتراف الأميركي بدولتين في فلسطين المحتلة.
استطراداً، يجوز السؤال هل من تواطؤ ثلاثي، انطلى على العرب ولا يزال؟.
قد يكون الجواب صعباً، وتحديداً حين يحوّل البعض ما يعتقده مسلمات تقرب الإيمان، لكن ألا يمكن التساؤل: هل غاب عن مخططي الاستراتيجيات الأميركية يوم قرر جورج بوش الابن غزو العراق، أن سقوط بغداد سيفتح الطريق أمام طهران لتزيد أوراقها، وتفرض نفسها شريكاً مضارباً في إدارة المنطقة، من أفغانستان إلى العراق وغزة ولبنان؟ ليس في الأمر دفاع عن ديكتاتورية صدام، لكن هل كان مصادفة إسقاطها بعد تحكّمها عشرات السنين في رقاب العراقيين؟ وهل كانت وحيدة نوعها وإجرامها في المنطقة؟
في هذا المشهد الذي قد يقرأ البعض فيه نوعاً من الهذيان، يبدو العرب في موقع رجل الشرق المريض، والكل يريد أن يرثه حياً: بعضٌ يرث قضيته المركزية فلسطين، وبعضٌ يرث أرضها وثالث يشرب نفطها ويتاجر به ويقايض بالسلاح ماله.
ولعلّ سلامة المشهد وحسن الإخراج، وكي لا يكون الأمر تقاسماً بين إقليتين في المنطقة هما الصهاينة والفرس، يستفز الهوية الغالبة لأهلها، إقتضى التصويب أن تدخل تركيا على الخط، لكن بانضباط أشّر إليه الكونغرس الاميركي بتذكير أنقرة بأن الباب العالي متهم بإبادة الأرمن.
ربما في كل ما تقدم هذيان سياسي. لكن ألم يقل أحمدي نجاد، قبل عام، وعلى هامش حضوره إجتماعات الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك "لقد ساعدنا أميركا في احتلال العراق؟".
وقبل ذلك، إعترف "الخصمان" بتعاونهما الاستخباري حين غزا التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة أفغانستان.
الدول ليست جمعيات خيرية، ولا تُدخِل في حساباتها السياسية الإحسان والشفقة. مصالح الدول فوق كل اعتبار، وربما تأخر العرب في اكتشاف ذلك، وإذا فعلوا ففي المكان والتوقيت الخطأ، ولأسباب شخصية أكثر الأحيان. اسألوا معمر القذافي الذي قرر إعلان الجهاد ضد سويسرا. شرشح الجهاد، ولم تتضرر سويسرا.
عرب مرتا يفعلون أشياء كثيرة والمطلوب واحد، لا يريدون رؤيته.
*نقلاً عن "النهار" اللبنانية