على نمط أفلام الكاوبوي والغرب الأمريكي العصيّ على الترويض، نشر موقع "الوطن" خلال الأيام الفائتة إعلانا أحمر من نوعية Wanted. إنما هذه المرة كان الإعلان يسأل: "من يعرف هذا الرجل؟". في الصورة كان أحد الاثنين اللذين ارتكبا ما بات يعرف بـ "مجزرة الربع الخالي".. المجزرة التي راح ضحيتها.. عشرون رأساً ونيّف من البهائم!
من ناحية المبدأ، فكل شيء في السليم! هذان اثنان اخترقا الحمى الرسمي واقترفا المحظور الذي نهت عنه قوانين البلد. وهما، وفقاً لذلك أيضاً، قد اقترفا مخالفة شرعية كما سيفتيك غيرُ مفتٍ. أما المجاهرة بالمخالفة عبر مقطع الفيديو الذي نشرته "الوطن" أيضاً فقد كان استفزازياً بما يكفي لإطلاق حملة شعبية ناقمة تطالب بتطبيق العقوبة الرادعة على قتلة المها أولئك.. حملة مستفظعة لهكذا اعتداء سافر على "ثروات الوطن ".. كما صرح مسؤول كبير بهيئة الحياة الفطرية في تعليقه على الأحداث كما نشرت "الوطن" أيضاً.
من ناحية المبدأ فلا مشاحة. لكنك بعد قليل من التمعن لن تملك إلا أن تتساءل عن تماسك هذا "المبدأ".. أن تسترجع حديث: (إنما أهلك من كان قبلكم...) وأن تستحضر كلام (علي الوردي) رحمه الله حين قال في مقدمة كتابه (وعاظ السلاطين):
"فإذا اعتدى أحد من المترفين على صعلوك، وجدت الواعظين يضعون اللوم على عاتق هذا الصعلوك وحده. أما إذا أخطأ الصعلوك مرة.. قامت قيامتهم وأخذت مواعظهم تنهمر على هذا المذنب من كل جانب".
ستستحضر هذا الكلام ثم ستعيد النظر في المسألة.. وربما انتفخت أوداجك وملأك الغيظ وأنت تتذكر كيف قامت الدنيا ولم تقعد على كذا رأس من غزلان الريم وبقر المها الوحشي.. على أساس أنها "ثروات وطنية"!
أنا سأتمسك بهذا "المبدأ" وبقشّة "الثروات الوطنية" هذه. وسأجادل بما أعرفه من أن المياه هي ثروة وطنية واستراتيجية خارقة، يزعم الخبراء أنها قد تحدد معالم الصراع العربي – الإسرائيلي خلال المرحلة القادمة.. إي والله!
أريد أن تنشر "الوطن" وسواها من الصحف السعودية، بالتنسيق مع الغيورين على ثروات الوطن بوزارة المياه وشركة الكهرباء، صورة الأخ المواطن صاحب أكبر وأفدح قراءة عدّاد كل شهر. أريد أن يشهّر به كما شُهّر بجزار الربع الخالي.. عليه من الله ما يستحق!
أريد أن تنشر، بالتنسيق مع مؤسسة النقد والبنوك السعودية، صورة للمواطن صاحب أكبر شيك مرتجع بدون رصيد لكل شهر من شهور السنة القمرية.. مع عبارة بالبنط العريض تقول: "هل تعرف هذا الغشاش؟" أو "انتبه لا تتعامل مع هذا الرجل"!
أريد أن تُنشر صورة تشهيرية للأخ المواطن الذي يملك تحت اسمه غير التجاري أكبر عدد من سيارات الهمر وصوالين الجمس.. على أساس أنه ملوث عريق للبيئة بدون سبب واضح. والبيئة شيء يجب أن نصونه للأجيال القادمة وفق "المبدأ" إياه.. صح؟ كما أن الأخ غاوي السيارات الضخمة إياه يستهلك الوقود أكثر من غيره ويبدده في غير هدف واضح.. والبترول –كما لا شك سنتفق- ثروة أهم بكثير من قطعان الوضيحي والظباء.
أريد أن تنشر صحفنا، بالتعاون مع ديوان المراقبة العام، ومصلحة الزكاة والدخل، وهيئة التحقيق والادعاء، وهيئة سوق المال وسواها من الأجهزة الرسمية صوراً واضحة مقاس 8 في 5 لكل مخترقي الحمى الوطني المفرطين في ثروات البلد والجيل من أموال وموارد. أريد أن أعرف بالضبط من هو المسؤول عن تأخر وضياع المشاريع الرسمية المليارية؟ وانهيار سوق الأسهم؟ ومآسي البنية التحتية من جدة إلى رفحاء؟
أريد أن يحاسب المسؤول عن تدهور نتائج المنتخب، وتدهور مستوى التعليم العام، وتفشّي الأخطاء الطبية، وسوء تطبيق منح الأراضي، وضياع حجزي على الرحلة المؤكدة وفاتورة جوالي التي لا تمت للواقع بصلة.
وحتى يحين كل واحد من تلك الأحيان، أقترح على "الوطن" أن تزيل إعلانها التساؤلي عن هوية الرجل الذي اخترق الحمى.. لأن الجواب معروف. إنه "أنا".. إنه "أنت".. إنه "نحن". ولا يُبرِّئنَّ أحدٌ نفسه!
*نقلاً عن "الوطن" السعودية