الأحد 12 جمادى الأولى 1434هـ - 24 مارس2013م
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الأحد 09 ذو القعدة 1431هـ - 17 أكتوبر 2010م KSA 00:27 - GMT 21:27

البنات.. البنات.. ألطف الكائنات

الأربعاء 07 جمادى الأولى 1431هـ - 21 أبريل 2010م
مرام عبد الرحمن مكاوي
مرام عبد الرحمن مكاوي

للفنانة الراحلة سعاد حسني أغنية شهيرة للأطفال لطالما تغنينا بها في مدارسنا الابتدائية، تذكرتها مؤخراً حين شاهدتُ مقطعاً مصوراً لها على موقع اليوتيوب، جعلني أترحم على أيام الفن الجميل الراقي وعلى برامج الأطفال التي عرفها جيلنا. تقول كلمات هذه الأغنية: "البنات البنات ألطف الكائنات... غنوا يا تلميذات تافا تيفي تاتا تاتا.. قولوا يا بختنا يا بختنا.. إننا إننا.. اتولدنا بنات.. البنات حنينين .. كلهن طيبين.. همهم خدمة بلدهم.. زيهم زي البنين.. البنت زي الولد.. مهياش كمالة عدد.. وفي الاحتمال والجلد... البنات البنات"، إلى آخر كلمات الأغنية الجميلة التي كانت ومازالت كفيلة عند سماعها برفع معنويات أي أنثى طفلة كانت أم امرأة ناضجة


ولو كان الأمر بيدي لجعلتها من الأغاني الصباحية لطلبة المدارس في الوطن العربي صبياناً وبنات. فالبنت حين ترددها كل يوم ستزداد ثقتها بنفسها واحترامها لذاتها ولن تقبل أن تعيش على هامش الحياة، أو أن تتحول إلى سلعة بيد أهلها ييبعونها لمن يريدون، أو لعبة بيد من يغريها بمعسول الكلام لتخون ربها. والصبي سيكبر وهو مدركٌ بأنها زميلته وشريكته في هذه الحياة، وليست أقل منه عقلاً أو أهمية، وإن اختلفت عنه جسدياً أو شكلياً، وحينها سيسعى لأن يتكامل معها لا أن يتعالى عليها أبا أو أخاً أو زوجاً أو حتى ابنا، وهو أمر غير متحقق للأسف في الوقت الراهن.
فمنذ بداية السنة الحالية (هجرية أو ميلادية)، مازالت الأخبار السيئة تتوالى من هذه البقعة الجغرافية العربية أو تلك. فهناك مسلسل زواج القاصرات بل والأطفال يتواصل في الجزيرة العربية وخصوصاً في السعودية واليمن، لعدم توصل البلدين إلى سن قوانين تحديد سن الزواج ورفعه إلى الثامنة عشرة كما فعل بعض جيرانهم. فكانت النهاية المأساوية لطفلة الثالثة عشرة اليمنية، التي توفيت بعد أيام من زواجها نتيجة لنزيف داخلي. ولا أعرف كيف لم يتوصل أهل العلم والفقه حتى اليوم في كلا البلدين إلى استخدام قاعدة "سد الذرائع" الشهيرة في منع مثل هذه الزيجات، رغم ثبوت ضررها النفسي والجسدي على الفتيات في عصرنا على الأقل.
وفي الأردن ما زال مسلسل جرائم الشرف مستمراً، والقاتل يُعطى حكماً مُخففاً بالسجن لسنة واحدة إذا قتل قريبته مظنة الشبهة. ولا يستطيع البلد الذي أقام صلحاً مع أكبر عدو للأمة -بحكم الحاجة والضرورة- أن يُجرّم هذا الفعل ويرفع هذا القانون الوضعي المخالف لشرع الله. وللأسف فإن من يقف في البرلمان الأردني ضد هذا التغيير -بالإضافة إلى نواب قبائله- هم النواب المحسوبون على التيارات المعروفة بالتشدّد، وكأنهم لم يسمعوا بالآية الكريمة (أفحكم الجاهلية يبغون).
ومن السعودية أيضاً تأتي قصة الفتاة العشرينية التي زُوجت غصباً لرجل ستيني متزوج بثلاث نساء ففرت منه إلى بيت الله الحرام، وحين تم اكتشاف أمرها ومعرفة قصتها، بدلاً من أن يُفسخ عقد زواجها لانتفاء أحد شروط صحة العقد وهو القبول، ويعاقب أولياؤها على شهادة الزور في عقد شرعي وعلى إساءة استخدامهم للولاية، إذا بها تُعاد إلى زوجها بعد أن وقّع على مجرد ورقة بعدم التعرض لها، في الوقت الذي رفض أهلها استلامها.
ولن أتحدث كثيراً عن فتيات دار الرعاية اللاتي أثرن الشغب ليلفتن الأنظار إلى معاناتهن الشديدة في تلك الدار، واللاتي كان الحل المدهش للتخلص من "شوشرتهن" والفضائح التي أثرنها في الصحف تزويجهن، رغم أن إحداهن عمرها خمس عشرة سنة فقط، كما زُوجت أخرى لرجل متزوج. فالزواج في مفهوم بعضهم، كما تعلمون، له مفعول مرهم "الفيكس" أو حبة "البندول"، فهو علاج ناجع للاكتئاب والأمراض النفسية والبطالة والعصبية والانحراف الأخلاقي والإدمان والشذوذ والإرهاب والفشل الدراسي والإيدز والسجن، بل ويُوصى به حتى للمحكوم عليهم بالإعدام.
لم أعد أجد في نفسي حماسة للكتابة المفصلة عن كل واحدة من هذه القصص كما كنت أفعل قبل ست سنوات مثلاً على صفحات هذه الصحيفة، لأنها باتت مكررة بشكل ممل. إذ يتغير الزمان والمكان وتختلف الأسماء ولكن تظل الأحداث واحدة، والنتيجة واحدة، فما الذي ستضيفه حروفي هنا؟
فلا المجتمعات العربية تطورت من تلقاء نفسها ونفضت عن نفسها غبار الجهل والتخلف، ولا الحكومات العربية أصغت لما نكتب وأصدرت قرارات شجاعة تضع حداً للظلم ولمأساة "وأد البنات" التي حرمها الإسلام دون تدرج، سواء وأدهن عبر طريق يزعمون بأنه حلال (الزواج الإجباري للقاصرات أو البالغات) أو عن طريق حرام (قتل الفتيات من قبل أهلهن نتيجة الشك أو التثبت من قيامهن بمخالفات أخلاقية).
يبدو الأمر وكأن أحداً لا يريد تحمل المسؤولية هنا. فالسياسي مازال بانتظار رأي الفقيه حتى يستطيع أن يضعه في وجه العادات القبلية والأعراف الاجتماعية، وهذا الأخير يبدو أنه مشغول بكل قضية أخرى في هذه الحياة إلا هذه، والمجتمع مازال بانتظار رأي الفقيه وحكم السياسي. وإلى أن يتفرغ لنا الفقيه، ويتشجع السياسي، ويتطور المجتمع، فكونوا على موعد مع بقية حلقات المسلسل الدامي، وبالتالي لا غرابة أن يتجاهل بعض الكُتاب تماماً مذابح البنات ويركزوا على مجزرة الغزلان!
ثقافة الاعتراف بالمرأة كإنسان كامل له حقوق من أبسطها حق الحياة وتقرير المصير يجب أن تترسخ في وجدان الأمة وضميرها حتى نستطيع ترجمتها إلى تنظيمات إدارية وقانونية يجمع عليها أفراد المجتمع أو غالبيتهم، خاصة أنها من صميم ما جاء به شرعنا الحنيف مجرداً من عاداتنا القبيحة. فالتغيير لا يولد في يوم وليلة.. لكن المهم أن نبدأ.. حتى لو عبر أغنية مدرسية كما اقترحتُ في بداية مقالي.. فالمشكلة هي أن انتظارنا قد طال كثيراً لصافرة البداية.

*نقلا عن "الوطن" السعودية