لا تحرق المجتمعات المفتوحة الكتب. فهذه العادة السيئة تحتكرها مجتمعات مغلقة ومأزومة ترفع مستوى رفضها للآخر الذي تكون قد ألغته جسدياً، إلى درجة تدميره رمزياً بتكثيف فعل الإلغاء إلى الأفكار المختلفة المدونة كلمات على أوراق ومجموعة في كتب.
والفعلة التي ينوي القس الأميركي تيري جونز ارتكابها غداً في الذكرى التاسعة لهجمات 11 أيلول (سبتمبر)، تطرح أسئلة كبيرة عن امتلاك المجتمعات والحكومات الحاملة رايتي الديموقراطية والانفتاح، أدوات قانونية أو زجرية تحمي بها ذاتها، طالما أن حرق المصاحف يشكل «أداة تجنيد» في يد أعداء الولايات المتحدة كتنظيم «القاعدة»، على ما قال الرئيس باراك أوباما، وسيسفر عن تهديد حياة الجنود الأميركيين في الخارج بحسب ما قرر القادة العسكريون في البنتاغون.
وإذا كان حرق الكتب من سمات المجتمعات التي تناصب الخارج عداء مرَضياً، وترى انه مصدر تهديد وجودي، يتمثل في حالة رعايا كنيسة بلدة غينسفيل بـ «دين شيطاني»، فمن المهم النظر في الفوارق التي تجعل من قرية منسية في وسط فلوريدا بؤرة اهتمام عالمي. لقد انتقل الجدال في شأن بناء المجمع الإسلامي قرب موقع مركز التجارة العالمي السابق، من السياق الديموقراطي، الذي أسبغ عليه عمدة نيويورك مايكل بلومبرغ طابعاً كوسموبوليتياً جديراً بحاضرة عالمية مثل المدينة تلك، إلى مجاهل القرون الوسطى وظلامها وذكريات حرق الكتب في العهد النازي، مع اعتزام جونز إحراق المصاحف.
وإذا عنى هذا الانتقال شيئاً، فهو يعني أن المشروع الأميركي، على المستوى الداخلي، لم يصل بعد إلى درجة التناغم التي حلم أصحابه بها. والتشدد الديني وحركات «المولودين مجدداً» التي حكمت الولايات المتحدة في أعوام إدارة جورج بوش ما زالت تهيمن سياسياً وثقافياً على الداخل الأميركي البعيد عن المراكز المدنية عند الساحلين الشرقي والغربي. والداخل المغلق يبدو قادراً على إنتاج ما يعاكس توصيف كارل بوبر لـ «المجتمع المفتوح» الذي ترمز أميركا إليه عادة. وها هو الداخل الأميركي ينضح بتناقضات تهدد مصالح الولايات المتحدة في العالم.
لكن ما يعني المسلمين الذين يرون أنهم يتعرضون، بحرق مصاحفهم على يد رجل دين مغمور من دون تدخل حكومته لوقفه عن غيه، الى إهانة ما بعدها إهانة، ليس البنية الاجتماعية السياسية الأميركية. بل إن حرق نسخ القرآن يندرج في مسار تراجعي في سياسة إدارة أوباما الذي قطع الوعود بصياغة جديدة للعلاقات الأميركية مع العالمين العربي والإسلامي لينتقل منها إلى استئناف سياسات لا تختلف كثيراً عمّا مارسته الإدارة السابقة. فالطائرات الأميركية ما زالت تقتل المدنيين في باكستان وأفغانستان، والضغوط المفروضة على الفلسطينيين للقبول بإملاءات حكومة بنيامين نتانياهو «غير مسبوقة»، على ما قال رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الذي رضخ في آخر المطاف ووافق على المشاركة في المفاوضات المباشرة المقفلة الأفاق.
عليه، تبدو التحذيرات الأميركية من صب خطوة قس غينسفيل النار على التطرف الإسلامي، بلا معنى إذ لم تستخدم إدارة أوباما ما في جعبتها من وسائل قانونية وإدارية للحيلولة دون توجيه هذه الإهانة المجانية للمسلمين. وما سوى ذلك سيكون دعوة إلى مراقبة قوى التطرف المسيحي تغذي نظيرتها المسلمة، كمثل أفعى تبتلع ذيلها، حيث يوفر معتوه القرية هناك، الذرائع اللازمة لأعداد من المعتوهين هنا لتفعل ما تشاء.
* نقلا عن "الحياة" اللندنية