رغم شطارة توني بلير التسويقية فإنه لم يفلح في الاستئثار الكامل باهتمام الإعلام الأوروبي والدولي عندما أعلن عن قرب صدور مذكراته . ففي نفس الفترة التي أقلعت فيها “الرحلة” كما دعا رئيس الحكومة البريطانية الأسبق كتابه، صدر كتاب بعنوان “ألمانيا تلغي نفسها” للسياسي الألماني ثيو سارازين . ولقد أثار الكتابان ردود فعل متنوعة اتسم أكثرها بالطابع النقدي الحاد . وأكثر هذا النوع من الانتقادات جاء من الجماعات المناهضة للعنصرية . وأعربت هذه الجماعات والكتّاب المناهضون للعنصرية عن مخاوفهم مما يمثله الكتابان من تعبير عن نزوع عنصري صريح حيناً ومضمر أحياناً . خصت هذه الجماعات كتاب سارازين بالقسم الأكبر من النقد، إذ إنه كان بالمقارنة مع بلير الأكثر وضوحاً في الإفصاح عن نظرياته وأفكاره .
ركز سارازين في كتابه على شرح الأخطار التي يسببها المهاجرون العرب والمسلمون لألمانيا، فربط بين هذا الوجود، من جهة، وانتشار روح الاتكالية والكسل والجريمة من جهة أخرى . وبالمقارنة مع الأديان الأخرى، قال إنه ما من دين يشحذ النزعة إلى العنف والإرهاب وخاصة بين الشبان العرب والمسلمين مثل الإسلام . ولم ينس سارازين أن يردد التنبؤات التي تنشرها المنظمات الصهيونية حول وصول أوروبا إلى مشارف التحول إلى قارة “عربية”! اعتبر ناقدو الكتاب أن طابع الكتاب العنصري يفضح نفسه بنفسه إذ إن صاحبه يردد نفس الحجج والنظريات التي تنشرها الجماعات والأحزاب العنصرية والنيو نازية والنيو فاشية في أوروبا والولايات المتحدة اليوم .
ردود الفعل السلبية التي أثارتها “رحلة” بلير تمحورت حول نظرته إلى حرب العراق وفشله في تقديم أي اعتذار أو أي تفسير لها . ففي معرض تبرير الحرب قال بلير إنها كانت ثمن الاطاحة بديكتاتورية صدام حسين . بيد أن ناقدي الكتاب ردوا على ذلك بقولهم إنه كانت المسألة الديمقراطية هي التي تشغل توني بلير، فما سر العلاقات الحميمة التي يقيمها مع أنظمة مطلقة في مناطق عديدة من العالم، وكيف له أن يتجاهل الرأي العام البريطاني الذي وقف بقوة ضد الحرب؟ ومن نقد التبرير الواهي لموقف بلير من الحرب، ينتقل الناقدون إلى فشله في تقديم اعتذار عن دوره فيها، فيقولون إنه مدين بمثل هذا الاعتذار إلى البريطانيين لأنه كذب عليهم، ولكنه مدين بالدرجة الأولى بتقديمه إلى العراقيين الذين كلفتهم الحرب عشرات الألوف من الضحايا والبلايين من الخسائر المادية . من هذا المنطلق الأخير، يعتبر ناقدو الكتاب أن تجاهله في “رحلته” لآلام العراقيين هو علامة واضحة على نزوعه العنصري .
اختلطت الانتقادات الموجهة إلى بلير وسارازين بمشاعر الاستغراب والقلق، لأن الاثنين يأتيان من عالم اليسار والاشتراكية . فبلير قاد حزب العمال ومسيرة “تجديده”، وسارازين هو عضو بارز في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني . فضلاً عن ذلك فإن الاثنين ينتميان إلى المؤسسة الحاكمة في بلديهما، ففضلاً عن ترؤس بلير الحكومة في بلاده، فإن سارازين شغل منصباً بارزاً في وزارة المال الفدرالية وعضوية الهيئة التنفيذية للبنك المركزي الألماني . والخشية هنا أن تكون مواقف الاثنين معبرة عن قطاعات وأوساط واسعة ومؤيدة لهما ولما جاء في كتابيهما من أفكار ومواقف داخل أحزاب اليسار والمؤسسة الحاكمة في البلدين .
هذه المخاوف لا تبتعد عن الصواب . فهناك في العديد من مجتمعات ودول العالم - وليس في الغرب وحده - عنصرية مؤسسية تتمركز بصورة خاصة في مؤسسات وإدارات الحكومات . وهذا النوع من العنصرية يبقى مضمراً ومستتراً حتى يكشف عنه بصورة مباشرة وفجة أشخاص مثل ثيلو سارازين، أو بطريقة غير مباشرة زعماء مثل بلير . خطورة العنصرية المؤسسية أنها تبقي أبواب الأكثرية الشعبية والمؤسسات الحاكمة مشرعة أمام تلقي واستدخال الأفكار والممارسات التي تدعو إليها الجماعات العنصرية المنظمة . هكذا شهدنا مثلاً رئيس حكومة إيطالياً، سيلفيو بيرلسكوني يقتبس شعارات الفاشيين الجدد بل يقيم حلفاً معهم ويدخلهم حكومته .
أما العنصرية التي تتسلل إلى اليسار وإلى الأحزاب الاشتراكية فإنها تفعل ذلك عبر منافذ عديدة . ويشكل القصور الفكري أحياناً منفذاً من هذه المنافذ . ويسلط تيم وايز، وهو واحد من أبرز الناشطين والمفكرين الأمريكيين المناهضين للعنصرية، الضوء على مثل هذا القصور . ويقول وايز هنا إن الليبراليين واليساريين في المجتمعات الغربية إذ يركزون تركيزاً مطلقاً وتبسيطياً على محاربة التمييز الاجتماعي، يغفلون في كثير من الأحيان التمييز العنصري، وما يسببه من المآسي والآلام . وإذ يدعو وايز إلى مراجعة هذا النوع من القصور، فإن بعض الذين يعالجون مشكلة تسلل العنصرية إلى المؤسسات الحاكمة وإلى اليسار في الغرب يعزون هذه المشكلة أحياناً إلى نمط الأشخاص الذين يتولون فتح الأبواب الحاكمة واليسارية أمام الدعوات والممارسات العنصرية .
تبرز هنا لعبة المنافع السياسية والانتخابية، فإذا تبين للطامحين أن تبني الدعوات والممارسات العنصرية يحقق لمن يتبناها المكاسب، فإن البعض من هؤلاء لا يتردد في التضحية بأفكار المساواة والعدالة . المثال الأقرب والأكثر وضوحاً على مثل هذا النوع من القيادات هو بلير الذي يقدم الدليل تلو الآخر، خاصة بعد مغادرته الحكم، على نهمه إلى جمع المال وتوقه الشديد إلى حك كتفه بأكتاف أرباب السلطة والمال والشهرة، وتعاليه على المواطنين وأصحاب القضايا العادلة . بيد أن بلير ليس هو المثال الوحيد، فقبله كان غي موليه، زعيم الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي مثل الجناح اليساري في حزبه قبل أن يصل إلى رئاسة الحكومة الفرنسية لكي يقودها إلى ارتكاب المجازر البشعة ضد الجزائريين ولشن حرب السويس عام ،1956 لم يكن غي موليه مغرماً بالثروة وبأصحابها مثل بلير ولكنه كان مولعاً بالسلطة وحريصاً على الوصول إليها والبقاء فيها بأي ثمن بما في ذلك التضحية بمبادئ المساواة والتضامن الاجتماعي والعدالة .
ولسوف يبقى هذا النوع من الاشخاص من أمثال بلير وغي موليه وسارازين مصدر متاعب للعرب ولبلادهم أيضاً، ودعاة للحرب عليهم وللنيل من حقوقهم ومصالحهم، ما دامت الأفكار العنصرية تختبئ وراء الشعارات الوطنية والدينية والاجتماعية المضللة .
* نقلا عن "الخليج" الإماراتية