ماذا لو نجحت المفاوضات المباشرة الجارية بين السلطة الفلسطينية والاحتلال الاسرائيلي؟
لقد سيطر التشاؤم على التصريحات والتعليقات الصادرة حتى الآن بشأن احتمالات نتائج هذه المفاوضات. ولكن الاسس التي تقوم عليها هذه المفاوضات لا تدعو ابداً الى الاستسلام لهذا التشاؤم الذي غلب حتى على الاميركيين وعلى الاسرائيليين من كثرة ما قابلهم من فشل في مفاوضات سابقة.
الحقيقة ان اجراء هذه المفاوضات هو من المنظورين الاميركي والاسرائيلي انجاز بحد ذاته. فمن كان يتصور ان تتنازل السلطة الفلسطينية عن اخر ما كانت تتمسك به كشرط للدخول في تلك المفاوضات المباشرة؟ من كان يتصور ان تهدي السلطة الفلسطينية هذا التنازل للرئيس الاميركي باراك اوباما بعد كل ما قدمه للاسرائيليين من تأكيدات مقابل الاهانات التي لحقت به وبنائبه جوزيف بايدن ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون ...فقط لكي يحصل من بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي على موافقة على دخول هذه المفاوضات بشروطه ـ هو بل بشروط وزير خارجيته افيغدور ليبرمان - الذي قبل ان ينحى عن المشاركة في مفاوضات مع الفلسطينيين ايا كانت الشروط مع انه بقي في الوزارة الاسرائيلية؟
ومن كان يتصور ان يقبل اثنان من رؤساء الدول العربية احدهما رئيس مصر وثانيهما ملك الاردن ان يلعبا دور الديكور في افتتاح هذه المفاوضات تأكيداً لمباركة النظم العربية التي تقيم سلاما رسميا مع اسرائيل وتلك التي تترقب الفرصة لتسنح لها للانضمام اليهما؟
ليس من المتصور ولا من المنطقي ان تفشل مفاوضات استطاع فيها احد الطرفين الرئيسيين ان يملي كل شروطه، بالاضافة الى سيطرته الكاملة على الارض، بينما قبل الطرف الرئيسي الثاني ان يلقي جانبا بكل ما كان له من شروط حتى اللحظة الاخيرة. انها فرصة سانحة للطرف الاول قد لا تأتي ابداً مرة اخرى وهي للطرف الثاني لحظة لا بد ان تنتهي باحتفال يستطيع فيه ان ينسب لنفسه نجاحا هو الفشل بعينه.
إن التعاون الامني الكامل والتفصيلي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل بلغ مستوى لم يسبق له مثيل، ليس فقط بين هذين الطرفين، بل بين اي طرفين كانت بينهما حرب في حقبة من التاريخ قديمة او حديثة. مع ذلك فلا بد من ان نتنبه الى ان لاسرائيل شروطا مطروحة في المفاوضات المباشرة غير شروط الدولة الفلسطينية المنزوعة السلاح والمنزوعة السيادة ... شروطا تتعلق بالتعاون للقضاء على المقاومة بكل فصائلها التي تعارض هذا السلام الاستسلامي. يخدع نفسه من يظن ان بالامكان ان تقبل اسرائيل ان تقوم السلطة الفلسطينية بدور الدولة الفلسطينية في حل الدولتين اذا لم تكن تتعهد من البداية بالقضاء على فصائل المقاومة التي تعارض ما يجري من نهب لحقوق الشعب الفلسطيني في الارض والسيادة والمياه والاجواء.
ان هذا الاحتمال المرجح بان تنجح المفاوضات المباشرة يشكل احتمالا بنكبة كبيرة ـ ربما اخيرة ـ للشعب الفلسطيبني.
لقد استطاعت الولايات المتحدة ان تحقق لاسرائيل في هذه المفاوضات المباشرة مع السلطة الفلسطينية ما لم تستطع اميركا ان تحققه في المفاوضات لإنهاء حرب فيتنام.. تلك التي انتهت بهزيمة نهائية لا رجعة فيها للقوة العسكرية الاكبر في العالم امام مقاومة لم تتوقف وعدوان اميركي ظل يتصاعد حتى حينما كانت المفاوضات جارية.
هذا هو درس التاريخ الذي لا ينسى عن اهمية المقاومة المستمرة حتى وان كان الطرف المواجه للمقاومة بكل قوة اميركا العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية والسياسية.
كان ذلك حينما سيطر على الولايات المتحدة شعور عارم باستحالة تحقيق نصر عسكري على فيتنام. اعترف بذلك الجنرالات والوزراء والمستشارون. واضطرت اميركا لأن تسعى الى التفاوض. وفي 3 ايار 1968 بدأت المفاوضات في باريس. نعم باريس التي كانت قد تلقت هزيمتها النهائية على يد فيتنام قبل ذلك بنحو 13 عاما. وبعد توقف قصير طقوسي لافتتاح المفاوضات استأنفت اميركا قذف فيتنام (الشمالية آنذاك) بالقنابل على نطاق غير مسبوق وبكثافة فاقت كثافة غارات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. فلقد بدا واضحا لأميركا ان المقاومة في فيتنام (الجنوبية آنذاك) لم ولن تتوقف بسبب المفاوضات.
استمرت مفاوضات باريس واستمر نشاط المقاومة الفيتنامية شمالا وجنوبا. وكان اخر امل تعلقت به اميركا في فيتنام الحرب والمفاوضات هو ان تنجح خطتها لـ«فتنمة» الحرب اي نقل العبء القتالي الى اكتاف جيش فيتنام الجنوبية لتتمكن اميركا من مواصلة الانسحاب.
في كانون الثاني 1973 ـ اي بعد 5 سنوات من المفاوضات والحرب على خطين متوازيين وقعت اتفاقية باريس لوقف اطلاق النار وتحقيق الانسحاب الاميركي الكامل.
لم تكن هناك شروط اميركية تفرض قيودا على حركة فيتنام المقاومة ـ شمالية وجنوبية ـ بعد انسحاب اميركا العسكري من الساحة. لهذا فانه في 21 نيسان 1975 استطاعت فيتنام ان تسقط السلطة الموالية للولايات المتحدة في الجنوب. وقعت فيتنام الجنوبية برمتها في ايدي القوات المقاومة ودخلت هذه القوات عاصمة الجنوب في 30 نيسان 1975 وانتهت الحرب وبدأ توحيد فيتنام.
توحدت فيتنام بقوة المقاومة. تحقق الهدف الذي من اجله حاربت فيتنام كلا من فرنسا والولايات المتحدة في حربين متتاليتين لم يفصل بينهما في الحقيقة فاصل زمني، لان الولايات المتحدة ردت على هزيمة اميركا في حرب الهند الصينية رد من يريد ان يرث الهند الصينية كلها من الامبراطورية الفرنسية المهزومة.
من كان يمكن ان يتصور ان تخرج الولايات المتحدة من حرب الاستيلاء على الممتلكات الفرنسية بهزيمة اثقل من الهزيمة التي ذاقتها فرنسا؟
لا تكتمل الصورة عن هذا الدرس التاريخي الا اذا حاولنا ان نعرف كم كان عدد ضحايا فيتنام في الحرب مع اميركا. لقد كان المألوف طوال ايام تلك الحرب التي استغرقت 13 عاما هو احصاء عدد الجنود الاميركيين القتلى والجرحى والمفقودين وعدد الطائرات الاميركية التي اسقطت، ولم يكن ثمة ذكر للضحايا من الفيتناميين عسكريين كانوا او مدنيين. لكن اخيرا اذيع تقدير لأعداد ضحايا الحرب على الجانب الفيتنامي بعد نحو اربعين عاما من نهاية الحرب. يفيد هذا التقدير ان فيتنام فقدت نسبة 16 في المئة من سكانها في السنوات بين 1960 و1973.
انسحبت اميركا بالكامل من كل بلدان الهند الصينية تماما كما حدث لفرنسا بعد الهزيمة. وبدا ان اميركا لا تملك الا التفكير على مدى ثلاثين عاما تالية في ان تتجنب «فيتنام اخرى». ولعل من المناسب هنا ان نذكر ان شعور اميركا كان مريرا الى حد انها لم تف بوعد قطعته على نفسها في ختام مفاوضات باريس بأن تدفع تعويضات لفيتنام عما اصابها من دمار. كان هذا كل ما استطاعت اميركا ان تبديه انتقاما من فيتنام.
هل يمكن مقارنة مفاوضات باريس بين فيتنام والولايات المتحدة بالمفاوضات المباشرة الحالية بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية؟ ومن اي زاوية تكون المقارنة؟ اي طرف في المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية يمكن اعتباره في الوضع الذي كانت فيه اميركا او الذي كانت فيه فيتنام؟
لعل الاجدى ان تكون المقارنة بين النتائج والنتائج في الحالتين. وقد يقول قائل ولماذا ونتائج المفاوضات الاسرائيلية - الفلسطينية لم تبرز بعد؟ ولكن الحقيقة ان النتائج واضحة من الآن، واضحة في استعداد السلطة الفلسطينية للاستجابة لكل ما يطلب الاسرائيليون والرئيس الاميركي. وهل يمكن ان نتوقع ان تأخذ الاسرائيليين او الاميركيين شفقة بالجانب الفلسطيني او ميل الى مكافأْته على ما يقدم من تنازلات؟
ان كل ما تستطيع السلطة ان تتوقعه تحت عنوان «دولة فلسطينية» هو حكم ذاتي وسط احتلال عسكري اسرائيلي متمكن. هذا امر يعرفه الفلسطينيون جيدا، يعرفه بشكل خاص اولئك الذين يتطلعون بجدية الى هدف الدولة الفلسطينية وبسبب جديتهم يعرفون من تجارب المفاوضات السابقة كلها مع الاسرائيليين والاميركيين ان لا امل في دولة فلسطينية حقيقية مستقلة وذات سيادة وقادرة على الحياة جنبا الى الجنب مع اسرائيل. يعرفه اولئك الذين كان لديهم امل اخير بأن يتمسك رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بشرط اخير للاشتراك في مفاوضات مباشرة، وهو ان توقف اسرائيل فعلياً نشاطها الاستيطاني في الاراضي التي يفترض ان تكون اراضي الدولة الفلسطينية.
لقد اقدم نتنياهو على دخول المفاوضات المباشرة بعد تلويح متكرر الى مواقف «المتطرفين من اليمين الاسرائيلي» الذي يمكن ان يطيح بحكومته الائتلافية لما يعرفه من ان المقاومة الفلسطينية موجودة ولها مواقفها واعتراضاتها على الشروط الاسرائيلية، ولما يعرفه عن ضعف محمود عباس وعن تأييد الغالبية الساحقة من الفلسطينيين لمواقف المقاومة وشروطها. لقد دخل نتنياهو المفاوضات في ظل افضل وضع يمكن لرئيس وزراء اسرائيلي تصوره. دخل المفاوضات بعد ان ضمن افضل اوضاع التعاون الأمني مع السلطة الفلسطينية خاصة في بؤرتي الخليل وجنين. وقد بدا واضحاً ـ عن غير قصد طبعا- ان نتنياهو لم يكن في وضع يستطيع فيه ان يضحي بمكاسب المفاوضات المباشرة بأن يقطعها بعد الضربة الموجعة التي وجهتها المقاومة الى اسرائيل في الخليل حيث كان الألم الاسرائيلي مضاعفاً لقتل اربعة من المستوطنين في منطقة تحت سيطرة اسرائيل العسكرية الامنية.
كذلك فقد اقدم نتنياهو ـ وبالمثل عباس ـ على المفاوضات المباشرة واثقا من ان اميركا قد ضمنت وأمّنت السرية لهذه المفاوضات، سواء الجانب المبدئي الذي جرى منها في واشنطن او الجوانب التي ستجري في مصر (شرم الشيخ) او في الاردن. ان الاطراف المباشرة وغير المباشرة تعرف ان السرية شرط لجميع المشاركين يصل الى حدود التقديس. وهذا يلائم نتنياهو بسبب حلفائه ويلائم عباس بسبب المقاومة التي يهمه ان يتم الاتفاق سراً على دوره في محاربتها، ويلائم كلا من مصر والاردن اللتين تدركان انهما تواجهان معارضة من جماهيرهما التي تعضد المقاومة وترفض المفاوضات. وتعرف سلطة القاهرة وعمان جيدا من واقع تجربتهما ان السلطة الفلسطينية ستجبر على التعهد بما لا يرضي جماهير الفلسطينيين كما اجبرتا في السلام الرسمي مع اسرائيل على قبول اوضاع وشروط في سيناء وفي وادي الاردن لا قبل لهما بالاعلان عنها.
لقد قبل المشاركون المباشرون وغير المباشرين بهذه المفاوضات اقتناعا منهم بأن فشلها ستكون له آثار وخيمة عليهم جميعا. اما نجاحها فإن آثاره الوخيمة ستقع على رؤوس الفلسطينيين وحدهم. في حالة الفشل فإن اسرائيل ستبيح لنفسها حق الحرب في اي اتجاه شاءت. اما في حالة النجاح فإنها ستعد بأن تكون حربها ضد المقاومة ومن يقفون معها.
اما على الجانب الاميركي فيلاحظ ان الحديث كثر في الفترة الاخيرة عما اعلنه الجنرال ديفيد باتريوس عندما كان قائدا للقيادة المركزية الاميركية من ان العداء لأميركا يستفحل في منطقة الصراع العربي- الاسرائيلي وفي العالم الاسلامي بسبب استمرار هذا الصراع. ويتردد ان احد اهم اهداف الرئيس اوباما هو وقف دائرة الكراهية لأميركا عن طريق اتفاق سلام بين الاسرائيليين والفلسطينيين.
ولا ندري من اقنع اوباما بأن مثل هذا الاتفاق غير المتوازن على دولة فلسطينية ناقصة يمكن ان يوقف دورة الكراهية ضد اميركا؟
كما لا ندري من اقنع المشاركين في المفاوضات المباشرة بأن نجاحها افضل من فشلها؟
هذا نجاح اذا تحقق يكون الفشل اشرف منه، لأنه هزيمة كاملة لأصحاب المصالح الحقيقيين، وهم الفلسطينيون، ونجاح للاحتلال وتأبيد للانقسام. واستعيدوا درس فيتنام.
* نقلا عن "السفير" اللبنانية