هل وضع الائتلاف الوطني حداً للمناكفات السياسية بعد تسمية مرشحه لمنصب رئيس الوزراء؟ وهل يستطع عادل عبد المهدي أن يكسب المعركة أمام خصم عنيد ومدعوم من كل أطراف كتلته دون منازع، وهو الذي رافقت أجواء ترشيحه تجاذبات سياسية حادة؟
وإذا جاز افتراض فوز عادل عبد المهدي على المالكي، فهل ستكون مهمته سهلة في إقناع إياد علاوي وإقناع كتلته معه، وهم المصرون على أنهم الكتلة البرلمانية الأكبر وصاحبة الحق القانوني الأول في تشكيل الحكومة القادمة؟
أسئلة مشروعة ومحيرة تراود الكثير من المراقبين ممن يتابعون الوضع السياسي العراقي، والذين لا يملكون إلا الإقرار بوجود حالة عميقة من اليأس والجزع واللوم والتذمر تغلب على المشهد العراقي برمته، بسبب العجز الواضح والعميق للطبقة السياسية عن تقديم المبادرات وإخراج البلد من عنق الزجاجة.
بالمقابل، فإن التيار الصدري استطاع أن يبهر أقرانه ويغضب أعداءه بعد كل محاولات الإقصاء والتهميش والملاحقة والاعتقال وتقطيع الأوصال وإلصاق التهم والهجمات العسكرية الملفقة التي تعرض لها. فهو لم يتمكن من التألق على مستوى التفوق العددي التمثيلي في مجلس النواب فحسب، بل استطاع أن يثبت أركان قدرته على إملاء شروطه ورغباته وترجيح كفة المرشح لرئاسة الوزراء.
فبعد استفتاء الصدريين الذي أظهرت نتائجه تصدر الدكتور الجعفري، استطاع العقل الصدري أن يفلت من قبضة الالتزامات والتملص من دائرة الإملاءات أو عملية فرض إرادات، ليتحرك فقط في فضاء تقديره للمصلحة الوطنية وضمن حسابات سياسية ذكية وظف من خلالها اتساع تمثيله لضمان تحقيق أكبر قدر من المكاسب لكتلته في حالة فاز مرشحه لتشكيل الحكومة العراقية القادمة.
كما أن السيد مقتدى الصدر لم يرفض ترشيح المالكي بإصرار فحسب، بل إنه رفض اللقاء به معلناً القطيعة معه بكل أشكالها وألوانها. وما زاد الطين بله أنه قبل اللقاء بغريمه السابق الدكتور اياد علاوي، ولكن خارج حدود السيطرة الجغرافية، رافضاً الانصياع لأي محاولة للسيطرة على قناعاته وتوجهاته، معززاً بذلك استقلاليته وانفراده في قيادة جماهيره الشعبية.
أما عادل عبد المهدي الذي يواصل لقاءاته بالبرلمانيين تحت عنوان "الجلسة المفتوحة لمجلس النواب" بسبب عدم غلقها من قبل الرئيس المؤقت فؤاد معصوم، فيعلم جيداً حجم التحديات التي تقف عقبة أمام نيله المنصب بعد ثلاث محاولات سابقة أخفق فيها جميعاً. فرغم دماثته، واعتداله وقدرته على الاستيعاب كما برهن عليها، تمكن من نيل رضى الصدريين وتحييد منافسة الجعفري والجلبي له، ولا يزال أمامه مشوار طويل وعسير لكسب الجولتين القادمتين. فخصومه يقاتلون من أجل الوجود. وتقف وراءهم أصوات داعمة ومستميتة، وتقض هواجس مقلقة مضاجعهم خشية التهميش والإقصاء لاحقاً، كما زعمت بعض الاشاعات عن عزم المالكي تحويل "المجلس الأعلى" الى "منظمة مجتمع مدني".
من جهته، فإن الدكتور الجلبي الذي تميز بحذاقته السياسية وقدرته على المناورة والتنصل في اللحظات الحرجة من الإلتزامات السياسية والاتفاقات الشفوية التي يعقدها، عاد من طهران مسرعاً بعد زيارة وجيزة استشف من خلالها عدم ممانعة الايرانيين تسمية عادل عبد المهدي، مرشح الائتلاف الوطني، ليبارك وبشكل شخصي هذه التسمية سعياً إلى تأمين دوره ووجوده في عملية تشكيل الحكومة القادمة.
إزاء كل ذلك، أبدى كل من قائمة دولة القانون والعراقية نوعاً من الحيطة والتحفظ غير المباشرين على ترشيح عادل عبد المهدي، في مناورة تختلف منطلقاتها وتتفق أهدافها بين الكتلتين. فكتلة دولة القانون تحاول اضعاف رمزية الأخير والإقلال من فرص نجاحه أمام مرشحها السيد المالكي. بينما بقيت العراقية تردد أصداء نغمتها الرتابية بالأحقية القانونية املا في فرض مرشحهم، ولكن من دون خدش شخص عبد المهدي أو الإنتقاص منه، مبطنة بذلك قدراً من الإقرار والقبول بعبد المهدي خلافاً لخصمهم المالكي.
ولا يبدو أن عملية التسمية التي جاءت مفاجئة ومرفوضة من قبل بعض القياديين في الائتلاف الوطني تخلو من صفقة أو صفقات حيكت بعد عناء أكثر من ستة اشهر.
الدكتور ابراهيم الجعفري، رئيس الوزراء السابق ورئيس تيار الاصلاح الوطني والمنافس الاقوى للعادل عبد المهدي على موقع رئاسة مجلس الوزراء داخل خيمة الائتلاف الوطني، الذي تغيب هو وممثله عن جلسة الإعلان وما قبلها على خلفية المشادة الكلامية بين فالح الفياض ونصار الربيعي واعتراض الاول ورفضه عبد المهدي، إلا أن تياره استدرك الموقف بعد عودة الجلبي من طهران، ليوجه الطعون الى الطريقة التي اعتمدت في تسمية المرشح متوعدا بالكثير في حالة الاصرار.
ويبقى الرهان على ماذا سيتفق المتآلفون تحت شعار التحالف الوطني؟ وماهي الآليات التي سيعتمدها المتخاصمون على منصب رئاسة الحكومة، في ظل إصرار يسنده تعادل وتكافىء في العدد والنوع لدى كتلتي "القانون" و"الائتلاف" على حيازة المنصب الاول؟ فليس من السهل تنازل البعض والتصويت لصالح مرشح الطرف الاخر، إلا اذا أبرمت صفقات من وراء الكواليس.
ولا تخلو الكتلتان من أصحاب الدوافع والمنافع، الطامحين لتحقيق أكبر قدر ممكن من الإمتيازات عبر المشاركة في شكل الحكومة القادمة. ويتطلع كل من حزب الفضيلة الذي فقد محافظة البصرة في الانتخابات المحلية السابقة، وشخصيات مستقلة من امثال الشهرستاني والدباغ وغيرهم إلى تأمين حقائب وزارية لهم قد لا تتحقق في حالة فوز مرشحهم بمنصب رئاسة الحكومة، وذلك لطبيعة نظام التحاصص المعتمد بين السياسيين العراقيين.
ويرى بعض المراقبين أن السيد عادل عبد المهدي والذي يتمتع بدعم دولي وعربي ومحلي داخل الفسيفساء السياسية العراقية، قد أصبح اليوم الأوفر حظاً بتشكيل الحكومة العراقية بعد نيله رضا التيار الصدري وتراجع خصميه الجعفري والجلبي على خلفية الإقرار الايراني؛ وبعد تردد طهران قبلاً في دعمه وتأييده لأسباب متعددة.
ومهما يكن من أمر، فان التيار الصدري يؤكد مرة أخرى قدرته وإحكام قبضته على صناعة ملوك العراق في حالة فوز عبد المهدي، تماماً كما فعلوا مع الجعفري والمالكي من قبل.