تقول الكاتبة الإيرانية آذر نفيسي في كتابها «أن تقرأ لوليتا في طهران»: «أحلم بأن مادة جديدة قد أضيفت إلى لائحة حقوق الإنسان: (الحق في إطلاق حرية التخيل)، فقد خلصتُ إلى الاعتقاد بأنه لا وجود لديموقراطية حقيقية من دون وجود حرية التخيل ومن دون حق اللجوء الى الأعمال الأدبية الخيالية بلا قيد أو شرط.
في زيارتي اليتيمة لمعرض الكتاب، سألت أحد مشرفي دور النشر عن صدق مقولة ان هناك 35 كتابا فقط تم منعها هذا العام، فضحك الرجل على سذاجتي وأجاب "إن هناك اكثر من 35 كتابا في قائمة الممنوع من داري فقط»، قلت له "أريد أن أعرف العدد الحقيقي للكتب الممنوعة كي أكتب عنها". قال "اكتبي ما تشائين، فكل سنة نأتي إلى الكويت لنجد أن قائمة الممنوعات تطول، وما كان مسموحا به العام الماضي أصبح ممنوعا هذا العام.. فما الفائدة من كتاباتكم؟".
فعلاً؛ لماذا نكتب؟ يراودني هذا السؤال كلما قرأت مقالات الكتّاب والأدباء والصحافيين التي تتكرر سنويا وفي التوقيت نفسه تماما، وكأنها نُسَخ منقولة من أرشيف الصحيفة. ففي كل سنة وفي التاريخ نفسه نعود للجدل السفسطائي نفسه، فنكرر أنفسنا ونجتر أفكارنا.. ننتقد، نعترض، نشجب، ننوه وننبه، بينما تبقى الحال على ما هي عليه، فيما يقف المسؤولون مكتوفي الأيدي خوفا من نفوذ التيارات المتشددة، التي تحتكر الكلمة الأخيرة. وفي النهاية نجد أنفسنا نغني مع فيروز "ما في حدا، لا تندهي ما في حدا".
لماذا نكتب؟ وهم لن يفهموا أن سياسة المنع والحجب أصبحت نكتة سخيفة في ظل العصر الرقمي والإنترنت، ولن يعوا أنهم لن يستطيعوا منعنا من التفكير والتنوير، بالرغم من كل قراراتهم وفتاواهم المتشددة، ولن يستطيعوا مصادرة أدمغتنا وتطويبها بأسمائهم في معتقلات الجهل والتخلف. منعوا د. نصر حامد أبو زيد من الدخول إلى الكويت فسمعناه عبر الأقمار الصناعية يلقي علينا محاضرته نفسها التي مُنع من إلقائها. حرمونا من حضور المسرحيات والعروض الفنية العالمية فتابعناها على شاشات الفضائيات، ومن يمتلك القدرة ركب أول طائرة لحضورها شخصيا أينما كانت. منعوا كتبا وروايات فاشتريناها من بيروت ودمشق والقاهرة، ومن لم يستطع السفر اشتراها عبر الإنترنت من المكتبات الرقمية أو أنزلها مقرصنة عبر الإنترنت، ومن يمتلك أجهزة القراءة الرقمية اشترى الكتب الممنوعة في خلال دقيقتين من دون مساءلة.
نكتب ونكتب.. كمن يكتب في الهواء.. فالقوانين من تشدُّد إلى أشد، والجو العام من قاتم إلى أكثر قتامة، والسياسات من سخف إلى أسخف. لا إصلاح، لا تنمية فعلية، ولا حريات، ومشاعر الإحباط واليأس أصبحت خبزنا اليومي. لكننا.. سنكتب، وسنظل نكتب.
نقلا عن (القبس) الكويتية