أوغر الحساد صدر سيف الدولة على المتنبي . ولم يكن سيف الدولة بحاجة لمن يقنعه بذلك، فالمتنبي كان قد اشترط عليه عند أول اتصال به ألا يكلف تقبيل
الأرض بين يديه، وألا يخلع سيفه في حضرته، وألا ينشده شعراً وهو جالس .
كانت نفس المتنبي الجامحة قد جعلته على يقين من أن مكانة شاعر كبير مثله لا تقل مقاماً عن مكانة الحاكم .
قال الحساد لسيف الدولة إنك رغم العطايا التي تمنحها له، بالكاد تظفر منه بقصيدتين أو ثلاث في السنة، نصف أبياتها في مدح نفسه والازدهاء بمواهبه، “ولو
فرقت في كل عام مائتي دينار على عشرين شاعراً لفاقوا ذلك الوقح في كل ما يتبجح به من إجادة وإعجاز” .
فكر سيف الدولة ملياً في أمر المتنبي بعد الذي سمعه من الحساد والوشاة، وقد تراكمت عليه الهموم، وعبثت به الهواجس، فهو تارة يرى أن أبا الطيب المتنبي ناشر
فضله وأنه الغاية التي تتقطع دونها أنفاس الملوك، وتارة تهجم عليه الهواجس من كل مكان: “لماذا هذا الاستخذاء لشاعر مجنون بالعظمة” .
بلغ المتنبي أمر ما يحاك ضده وما اتخذه سيف الدولة من قرار سد باب القصر في وجهه، فعزم على الرحيل عن حلب .
قال لخادمه مسعود: “أوقد الشموع في حجرة نومي، وأعد بجانبها شموعاً أخرى، فقد يطول بي السهاد في هذه الليلة الليلاء وأحضر أقلاماً وأوراقاً ودواة بجانب
سريري” . وقبل أن تظهر خيوط الصباح طوى أوراقه، ولما شاع نور الشمس ارتدى ملابسه وأمر مسعوداً بإعداد جواده قبل أن ينطلق إلى قصر سيف الدولة،
ولما استوى إلى إلقاء القصيدة بلغ البيت الشهير:
يا أعدل الناس إلا في معاملتي
فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
ثم وهو ينظر إلى الحساد والوشاة من حول سيف الدولة:
أعيذها نظرات منك صادقة
أن تحسب الشحم في من شحمه ورم
ووسط احتجاجات المقصودين بالبيت واصل أبو الطيب من دون أن يلقي أذناً لأحد:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
ورغم ضجر سيف الدولة من كثرة هذه المباهاة، ارتجل المتنبي البيت الأخير، مذهلاً سيده:
إن كان سركم ما قال حاسدنا
فما لجرح إذا أرضاكم ألم
نقلا عن (الخليج) الإماراتية