للكتاب في اللغة العربيّة باقة معانٍ ورموز لا نظير لها في أيّ لغة أخرى . فاللفظ واحد والمعاني متعددة، هو كالورد أو كزهر الخطميّ، الشكل واحد والألوان شتى .
استمدّ الكتاب، كمفردة، قدسيته من الدين الإسلاميّ، وقد أتى اللفظ أصيلاً في تجذره العربيّ، فالجذر في الضاد تنبت منه الشعاب والفروع متقاربة ومتمايزة . سأقصر الحديث على سبعة معانٍ للكتاب لنتأمل روائع الأفانين والفنون التي تتجلى بها الحسناء العربيّة .
تأمّلوا كيف تفضي بنا الرموز، وأبعاد الآفاق إلى آماد الفضاءات . ما من عربيّ أو مسلم إلا ويعرف أن الكتاب يعني القرآن الكريم . ولا يأتي إلا معرّفاً بأل، إلا إذا كان مضافاً إلى اسم الجلالة أو ما وافق في الإضافة . هنا تنقلنا المفردة من الورق إلى القدسيّة، إلى السماوات العلى، إلى سدرة المنتهى، إلى الذات العليا، ليعود الورق من السدرة إلى الأرض وحياً يوحى، ليطبع وينشر ويوزع لتقرأه أمّة طه فلا تشقى .
وكل العرب يعلمون أن الكتاب يعني الرسالة التي يرسلها المرء إلى شخص أو جهة ما . لكن، أليس من إبداع الضاد أن تفتح الرسالة باب لفظها على أفق الرسالة المحمديّة العطرة كالورد المحمّدي، لتجعل السمع والبصر والفؤاد تحلّق عند السدرة بأجنحة آيات الكتاب؟ ثم تعود إلى الأرض ثانية لتخط على الورق رسالة، أي كتاباً في “الإشارات الإلهية” أو في “ظلال القرآن” يكون “الكشاف” و”المنقذ من الضلال”، في سبيل “إحياء علوم الدين” و”التحرير والتنوير”، أو إعداد رسالة دكتوراه في هذا كله أو ما سواه .
الكتاب في لغتنا هو الفرض أيضاً . الفرض كما في قوله تعالى “كتب عليكم الصيام” . فلم لا تكون الكتابة فرضاً وفريضة على النظام التعليميّ، كتاباً عليه نشره وتوزيعه على كل منتمٍ إلى الكتاب والرسالة وصاحب الرسالة؟
والكتاب في الضاد هو الحُكْم، وفي الكتاب المجيد: “كتابَ الله عليكم” . وعلى النظام العربيّ أن يفكّر لحظة في عبقريّة لغتنا التي اشتقت الحُكم والحكمة من جذر واحد . ما لكم كيف تحكمون؟ فهل من الحكمة ألا تمحى الأميّة؟ والكتاب هو القدر أيضاً . والأمّة من الماء إلى الماء تتحدث عن “المكتوب” . ومن المفارقات العجيبة أن تكون الأميّة مكتوبة على الجبين .
وختامها الكتاب بمعنى الاسم . وللاسم قدسيّة عند العرفاء الذين يتصدّر قاموسَهم الاسم الأعظم . والاسم هو الهويّة . وهنا أيضاً تتجلى الضاد، فالاسم هو العلم والمعرفة “وعلّم آدم الأسماء” .
نقلا عن (الخليج) الإماراتية