عذراً يا عمرو بن كلثوم أني استبدلتُ "فما بإذا" ليس لضرورة شعرية ,إنما لضرورة مشروعة. فالطفل الذي فِصاله في عامين , يصبح في العالم العربي فطامه عند انقضاء أجله ,حتى لو عاش ثمانين حولا ً ولم يسأمِ .إن العربي, الذي كغيره من الأطفال, يرضع الحليب من مَصْدره الأم , يُراد له أن يرضع الأفكار وكلّ الموروثات كما لو أنه ما زال طفلاً يحبو, ولكن ليس من مصْدره الأم .
ما يميز العرب أنّ الأغلبية منهم إخوان في الرضاعة الفكرية , فإذا ما تم التطرق إلى فكرة ما , أو تم الحديث عن موروث ما , اتفق الكثير منهم على صواب تلك الفكرة أو الموروث حتى لو كانت الحقيقة تجافي ذلك . لا سبب يقودهم إلى هذا الاتفاق , مع أنه من النادر أن يتفق العرب , سوى أنهم رضعوا الفكرة وما زالوا يرضعونها من المَصْدر الذي التفت حوله هالة من القدسية , فلا يجوز النقاش معه , ولا تصح الأشارة إليه بالسّبابة , لأن السّبابة ضرْبٌ من السباب في الثقافة العربية على ما يبدو .
لو أجرى المرء تجربة هيّنة , وأحْضر رَجُلاً جَدّاً , وابنه الأب , وحفيده الشاب , وألقى أمامهم بفكرة في سبيل استقصاء الرأي , فأنهم على الأغلب سيقدّمون الرأي نفسه حول تلك الفكرة ,لأنهم جميعاً لم يبلغوا مرحلة الفطام الفكري , فهم في نظر طواغيت الفكر أطفال , أكثرهم حظاً من ولج في مرحلة الدبيب ,ولو قٌيّض أنْ كان والد الجد وجد الجد حيّيْن يرزقان , لكانا على الرأي نفسه , لأنهما أيضاً طفلان غير قادرين على امتلاك الرأي في نظر من احتكروا الأفكار والآراء كلها , ونصّبوا أنفسهم ولاة أمر وولاة فكر على أغلبية العرب الذين يميلون حيث تميل ريح طواغيت الفكر , أي المرضِعين , إلا القلة منهم .
لذلك , يمْكن للمرء أنْ يتخيل أي عربي يأتي برأي لم يعتدْه العرب من قبل , ستثور عليه الثائرة كما لو أنه رضيع تمرد على ثدي أمّه . لأنهم يعتبرون من علّمونا , سواء على مقاعد الدراسة ,أو من خلال بطون الكتب , بمثابة الأمهات المرضعات المقدّسات, فلا يجوز حينئذ التنكر للحليب الفكري الذي رضعناه في البداية إجباراً ثم رضعناه ,وما زلنا, اختياراً .
ينهي العربي مرحلة المدرسة , ويبقى يردد ما تعلمه على مقاعدها كما لو كانت مُنْزَلة من رب العالمين ,ولا أقصد هنا المواد العلمية ,إنما تلك التي لها علاقة بالعلوم الاجتماعية غير المُطْلقة التي من المفترض العقلي أنْ تتسم بالنسبية , والتي تندرح أيضاً في الإطار الفكري , ثم يدخل الجامعة , فينساق إلى مُحاضر المَساق , بعد أن كان قد انساق إلى أفكار جده وأبيه و أخيه وعشيرته التي تأويه , ثم يكبر ويشيخ من دون أن يكون قد كلف نفسه النزر اليسير من عناء البحث والتمحيص وبناء الشخصية المستقلة , فهو,إذنْ, طفل لم يبلغ بعد مرحلة الفطام .
هذا النهج السائد في أصقاع العرب بمثاية الرضاعة الفكرية الطبيعية , ومن يخالف برأي مستقل فإنه في نظر الكثير منهم كمن يرضع من غير ثدي أمه العربية ,وكان من الأجدى أن يُنظر إليه على أنه تخطى مرحلة الطفولة وفطامها , وبات يخطو على قدميه من دون أنْ يتشبث بأحد تشبُّثَ الطفل الرضيع بالكبير .