استوقفني كتاب أنيق صادر عن مجلة “الرافد” عنوانه “الكتابة البيضاء”، لمؤلفه الشاعر اليمني عبدالعزيز المقالح، وسأعتبر أن في هذا العنوان إيحاء لما أود أن أسميه الكتابة المضيئة، بديلاً للكتابة المعتمة .
ويندرج هذا الكتاب في نطاق هذا النوع من الكتابة، لا سيما أنه يأتي من شاعر، وشاعر كبير، وأنه عن الشعر أيضاً، لذا يبدو مفهوماً أن المقالح ينقل عن المكسيكي أوكتافيو باث الحائز جائزة نوبل قوله “إن شعباً بلا شعر هو شعب بلا روح” .
سنندهش جميعاً حين نعرف أن عدد الشعراء في اليابان، هذا البلد الصناعي، يناهز الخمسة ملايين شاعر، أي بمعدل خمسة في المئة من سكان البلد، ما يدل على أن الحاجة إلى الشعر لا تتناقص حتى في أشد البلدان إمعاناً في التقنية .
لكن المقالح يحبطنا حين يقول إن هذه النسبة أعلى بكثير من عدد كل الشعراء والمتشاعرين في الوطن العربي، وهو أمر محبط فعلاً حين يدور الحديث عن أمة تعدّ الشعر ديوانها .
والسبب واضح في ذهن المؤلف، وهو يكمن في أن الوطن العربي، وعلى كل الصعد، يعاني حالة تخلف شامل في الإبداع، وهو يطال في ما يطال الشعر ذاته، على رغم النماذج الشعرية المضيئة في سمائنا التي يقف الشاعر أمام بعضها .
والمقالح لا يقف عند الشعر في الشعر وحده، وإنما عند الشعر في النثر أيضاً، ومن اللافت أنه يقف عند كتاب قديم للراحل محمود أمين العالم عنوانه: “البحث عن أوروبا” .
ومحمود العالم، كما نعلم، ناقد ومفكر وفيلسوف أيضاً، أي أن مجالات شغله المعرفي تتطلب عدة قوامها الصرامة والدقة والمنهجية والاقتصاد في الكلام، فالكلمة التي لا تحمل شحنة مفهومية تبدو زائدة على الحاجة، فيما الشعر يتطلب مخيلة واسعة ومهارة في “اللعب” باللغة .
مع ذلك فالعالم في هذا الكتاب، كما يلحظ المقالح، يقترب من الشعر، وهذا أمر لا يمكن الجدال حوله حين يلاحظه شاعر رأى أن العثور على الشعر في النثر المتوهج باللغة والمحتشد بالصور، فرصة لتأكيد الاقتران في الكتابة الإبداعية بين وميض الشعر وعمق الفكر .
الشعر يأتي في مشهد يفيض بالدلالة يصفه العالم عن زوجين عجوزين يتبادلان مشاعر المودة كأنهما شابان في العشرينيات من العمر: “نهر من الحب الساخن لا يتوقف عن التدفق والجريان بينهما، يرتفع فوق تضاريس السن، ليصنع شعلة بالغة الحرارة والصفاء” .
نقلا عن (الخليج) الإماراتية