ستوقفتني إحدى زميلات العمل تسألني إن كان لدي الوقت لأطلع على كتابات ابنتها وهي في المرحلة الثانوية حالياً، ولكن ليس هذا مربط الفرس في الكلام بل تذمر الأم من كثرة القراءة عند ابنتها، حيث قالت إنها تقضي وقتها كله في القراءة حتى وهي بيننا، فهي تنهي كتابا كل ثلاثة أيام تقريباً.. فقلت للام أطمئنها أن ابنتك إذا كانت لديها ميول كتابية فثقي بأنها عرفت الطريق ووضعت رجلها على أوله، فالقراءة هي نقطة الانطلاق الأقوى في هذا الدرب.
وبالمقابل كنت أجد لدى الطالبات في المرحلة الجامعية عزوفاً واضحاً عن القراءة حتى تلك التي تمس مناهجهن التعليمية، فإذا كلفن ببحث لجأن لفتافيت المواقع الالكترونية، أو بحثن عمن يقدّم بحثاً جاهزاً مدفوع الثمن. بل إن جمع المادة العلمية من أكثر من كتاب يصبح بالنسبة لهن كارثة عظمى، وليت الكارثة تتوقف عند هذا الحد، فهن يردن الملخص ومن الملخص يطلبن (التأشير) .. تخيلوا طالبة جامعية وتقول: «اشّروا لي» بمعنى دعينا نضع خطوطاً تحت ما هو مهم حتى نعرف كيف ندرس فإذا أمسكت بالكتاب ليلة الامتحان قرأت ما تحته خط فقط! وإذا رسبت في الامتحان ولولت «وامصيبتاه رسّبوني» !
أما عن القراءة الحرة فالمصيبة أعظم، فمن أصل 55 طالبة في 6 قاعات كان هناك ست طالبات فقط يقرأن ولا يكتفين بالصحف أو المواقع التي تعتمد على المقتطفات.
أما المكتبات الالكترونية فتواجه رفضاً تاماً .. وكأن الأمر يشبه التسوّق أيام التخفيضات.. فكيف نجدد العلاقة بين الشباب والكتاب بطرق مبتكرة يكتشفون خلالها متعة الإبحار في كتاب غني بالأفكار.. وقادر على حث العقول على التحرّك والفحص لما يقنع وما لا يقنع.
إن سيطرة كبسولات الثقافة أمر خطير ظهر واضحاً خطره، ففي السابق كانت الأشرطة والكتيبات والآن مواقع غثة تقتات وتقيت غيرها على التفاهات من كل شيء ناهيك عن الأساليب الكتابية التي تعتمد فيها.. كلها منعت العقول من التفكير وأوقفت نشاطها فصارت جامدة مستسلمة وهذه طامة كبرى زادت من خيبات الإنسان العربي.
في مصر ظهر مؤخراً (تاكسي المعرفة) حيث توضع الكتب في بعض سيارات الأجرة فيطلع عليها الراكب، وقد تكون بداية عودة للكتاب ولكن في مصر يستخدم التاكسي بكثرة والزحمة قد تدفعهم إلى التهام كتاب كامل في الانتظار.. ولكن ماذا عنا هنا؟ أين وكيف سنضع الكتاب لنجد من يقرأه ليرتقي قبل أن يغتاله التسطيح.
* نقلاً عن "اليوم" السعودية