أكثر ما لفت اهتمامي من بين عروض أفلام “مهرجان الإسماعيلية الرابع عشر”، المخصص للأفلام التسجيلية والأفلام الروائية القصيرة، فيلم مر مرور الكرام على أعضاء لجنة التحكيم مع أنه أثار البهجة في نفوس مشاهديه . بالنسبة لي شخصيا، فإن تأثير الفيلم عليّ تعدى البهجة التي غمرتني أثناء المشاهدة وحفّزني للتأمل في ما وراء البهجة ما بدا لي موهبة جعلت من مادة بسيطة جداً فيلماً جميلاً وعميقاً بحق .
لست على علم بما دار في لجنة التحكيم من مناقشات حول الأفلام تمهيدا لاختيار ما سيفوز منها بالجوائز، غير أنه نقل إليّ، في ما يخص هذا الفيلم تحديداً، أن هناك في اللجنة من وصفه بأنه مجرد “فيديو منزلي” وهو وصف، على ما يبدو، لم يثر اعتراض أحد من بقية أعضاء اللجنة .
. . . وهو فعلاً فيلم منزلي، وهذا ليس من باب الانتقاص من قيمته، بل من باب تحديد مادته وموضوعه، فالفيلم مصنوع من قبل فتاة شابة تدعى آرسيل جوراييفا، لا تزال، كما علمنا، في سنتها الدراسية الثانية في معهد للسينما في بلدها كيرغيستان، وهي حملت الكاميرا وصورت على مراحل وعلى مدى أيام طويلة شقيقيها الطفلين التوأمين وعمرهما لا يتعدى الثلاث سنوات، على الأغلب، (وهما بطلا الفيلم) وصورت والدتها الحامل، وتابعت تصويره والدتها لحين ولادتها لطفل جديد، وصورت أفراد العائلة وهم يتفرجون على نشرات الأخبار في التلفزيون المحلي . الجهد الأكبر الذي قامت به تلك المخرجة الشابة تمثل في مراقبة شقيقيها الطفلين وهما يلعبان ويعبثان، أحياناً داخل المنزل وأحياناً في ساحة المنزل الريفي، ولعب الطفلين هذا وعبثهما الذي يتضمن الكثير من الغرابة والإثارة، هو ما يشكل غالبية مادة الفيلم وما يضفي عليه متعته .
لا شك في أن المخرجة الشابة تابعت وراقبت الطفلين وصورت الكثير من الساعات، قبل أن تختار من كل ما صورته بضع دقائق فقط هي التي اعتبرتها الأفضل، وليس الأفضل فقط، بل الأكثر دلالة وخدمة لبنية درامية ستحول هذه المادة البسيطة إلى عمل فني فيه مضمون إنساني عميق .
من اللحظات الممتعة في لعب الطفلين تلك التي يظهران فيها وهما يتعاركان، لكن، يا له من عراك مسالم وكاشف لبراءة الطفولة، عراك صالح لأن تستخدمه المخرجة لا كفرجة فقط ممتعة، بل أساسا كوسيلة لعقد مقارنة تعطي لهذا العراك المسالم بعداً سياسياً، وذلك عندما تجري المخرجة مقارنة بين هذا العراك الطفولي وما تعرضه مشاهد أخرى نتابع فيها نشرات الأخبار التلفزيونية التي تبث صور مصادمات عنيفة بين المتظاهرين ورجال الشرطة وهي مصادمات يشاهدها أفراد الأسرة في ما يلعب الطفلان في أرجاء الغرفة .
لا شك في أن المخرجة الشابة صورت مادة منزلية، لكنها لم تكتف بذلك، إذ لا شك أيضا في أن عقلها كان يعمل ويحلل ويركب فكرة ما يجري مراقبته وتصويره، أي أنها كانت تعمل لا بصورة عفوية، بل تعمل وفق مخطط مدروس ومشروع فيلم، وقد يكون أو قد لا يكون هذا المخطط واضحا في ذهنها منذ البداية، وقد تكون المخرجة بدأت التصوير لمتعتها الخاصة أو بهدف التوثيق لطفولة شقيقيها، لكن المخطط، أو مشروع الفيلم، برز حتما في لحظة ما وصار يقود عملية المراقبة والتصوير وصولاً إلى التعبير عن الموضوع الذي لم يعد يقتصر على مراقبة طفلين بريئين، بل على مراقبة طفلين يعيشان في عالم مضطرب مملوء بالصراعات والعنف، عالم هما غافلان عنه .
صورت المخرجة الكثير من مراقباتها، لكنها طوعت ما صورته لمصلحة الفكرة وتوصلت إلى تجسيد فكرتها في صيغة نهائية مكتملة أثناء المونتاج، وهذا ما يمكن استنتاجه من كل بنية الفيلم، وعلى نحو خاص، من المشهد الأخير في الفيلم، والذي يمثل خلاصة الفكرة ولب العبرة التي تبين قيمة السلام والمحبة على الصعيد الإنساني:
الأم التي كانت حاملاً وضعت مولودا جديداً . نرى هذا المولود نائما في سريره الصغير بهدوء . يقترب أحد الطفلين متسللاً من المولود، ينحني فوقه (في هذه اللحظة تبادر إلى ذهني، وعلى الأغلب إلى ذهن آخرين ممن كانوا يشاهدون الفيلم أن الطفل سيؤذي شقيقه المولود بسبب من الغيرة، وهذا أمر شائع في عالم الطفولة)، ونرى الطفل يقبل شقيقه المولود في وجنته وبعد ذلك يرفع رأسه منتشيا ليعاود طبع قبلة جميلة مرة أخرى على وجنة المولود الغافي مصحوبة بتنهيدة رضا .
ينتهي الفيلم هنا، ليجعلنا ننتبه إلى أهمية دلالة العنوان الذي اختارته المخرجة لفيلمها وهو “مهد السعادة”.
نقلا عن (الخليج) الإماراتية