تعيش اللغة العربية حالة غربة هذه الأيام بين أهلها مع فرحة كثيرين منهم واستعراضهم، بل وتشدقهم بكم كلمة من الرطانة الإفرنجية، تجلس في اجتماع يكون فيه الحضور من المواطنين أو العرب لكن تكون لغة الحديث فيها بالإنجليزية، بالأمس فقط كنت في مؤتمر لجهة حكومية، كان كل الحضور من إخواننا العرب الأشاوس والمتحدثين عرب أيضا، ولا يوجد أي مخلوق من الناطقين باللغة الإنجليزية، ومع ذلك فقد كانت كل الجلسات التي امتدت لنهاية اليوم بالإنجليزية، ولغلبة طابع الاستعراض على المنظمين فقد تقاعسوا عن توفير مترجمين بالرغم من توفرهم كموظفين متخصصين في الجهة الحكومية المعنية.
تستغرب لماذا تحدث مثل هذه التصرفات التي غالباً ما تكون نتيجة اجتهادات شخصية خاطئة، أو لنقل غير صحيحة لأن التوجه العام للدولة في دعم اللغة العربية، بل إن كبار المسؤولين يوجهون باعتماد اللغة العربية العتيدة لغة رسمية وشعبية في البلاد، بل إنها اللغة الأم التي تعود بنا إلى جذور التاريخ والجغرافيا وهي لغة ديننا وقرآننا..
وقبل أيام أيضا كنت برفقة طلاب مشروع علمي، فوجدتهم يتحدثون الإنجليزية بطلاقة شعرت معها بالغيرة، فرحمة الله على زماننا عندما كنا على مقاعد الدراسة كنا بالكاد نعرف «جود مورنينج»، و «واتس يور نيم» لكن لكل زمان أحكامه ومتطلباته، ولن نأخذ زماننا وزمان غيرنا كما يقولون، لكنني شعرت بالقلق من أن يصل بنا الأمر إلى نسيان هذه اللغة العظيمة، فقد سمعت أحد أولئك الطلاب وهو يطلب من المدرس أن يسمح له بالتحدث بالإنجليزية، لأنه لا يجيد الحديث كثيراً بلغته الأم وهو شاب مواطن من أبوين مواطنين، فقد رأيت والده وقد كان يقف يتفرج من بعيد بفخر على ابنه الذي سيصبح شخصاً له شأن في القريب العاجل.
وسمعت من يقول إن اللغة العربية لغة تعيش على الأمجاد تماماً كأهلها العرب الذين ليس لهم غير التاريخ التليد ليتحدثوا عنه، وأن العربية لغة لم تعد تجاري العصر والعلم فكل الدراسات والبحوث اليوم بالإنجليزية، غير أن ذلك تجن لا مبرر له إلا الجهل، وهو مناف تماماً للحقيقة، وحتى لا أضرب أمثلة تاريخية، فيكفي أن نعرف أن اليابانيين والصينيين وهم من أقدم الشعوب لم يتخلوا عن لغاتهم حتى في مجال العلوم التطبيقية التي برعوا فيها أكثر من غيرهم.
فهل يا ترى نتبع الآخرين وترويجهم لصورة نمطية عن هذه اللغة التي تعتبر أحد أقدم لغات العالم المعاصر، والتي نعلم تماماً أنها باقية إلى يوم الدين لأن الله حافظ للقرآن إلى يوم يبعثون.!
* نقلاً عن "الإتحاد" الإماراتية