لم أتفاجأ كثيراً عندما وجدت في بريدي الإلكتروني رسالة موقعة من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون. ولا تعتقدوا بأنني "لم أتفاجأ" لأنني مخدوع بشعوري بالأهمية، بحيث لا أستكثر على كاتب صحافي أن يكاتبه "مون"، بل لأنه سبق لي وأن تلقيت رسائل من شخصيات عالمية مهمة من قبل: مثلاً، الجنرال ديفيد بترايوس، يطلب صداقتي! وبحكم معرفتي بالإنجليزية، يجلب لي الأصدقاء رسائل تلقوها من شخصيات وَجِهات: بنوك، ومنظمات خيرية، وشركات، ويانصيب، حتى أفسر لهم محتواها، وكلها تبشرهم بربح ملايين الجنيهات الإسترلينية أو الدولارات. ولم تكن رسالتي المعنونة: "بان كي مون: دفعة من الأمم المتحدة" شيئاً مختلفاً.. وهاكم ما حُرر فيها.
بعد السؤال عن صحتي والعائلة، توقع كاتبها العبقري أن أحتار، فكتب: "ربما لا تفهم لماذا جاء هذا البريد إليك. لقد عقدنا اجتماعاً مع الحكومات النيجيرية (الجمع "حكومات" من عند المُرسل) للشهرين الماضيين، والذي انتهى قبل يومين مع الأمين العام للأمم المتحدة".
"هذا البريد لكل الذين تمَّ خداعهم في أي جزء من العالم، وقد وافقت الأمم المتحدة على تعويضهم بمبلغ 850.000 دولار أميركي فقط (الرقم كتابة، للتأكيد). ويشمل هذا أيضاً المتعاقدين الأجانب الذين ربما لم يتسلّموا مبالغ من عقودهم، وأولئك الذين لديهم تحويلات لم تكتمل، أو الشركات الدولية التي أخفقت بسبب مشاكل مع الحكومة... إلخ" (أصلحت بعض الأخطاء الكثيرة في النص ليكون مفهوماً).
وبعد ذلك قال الكاتب إنه وجد اسمي في القائمة (لم يذكر اسمي وطلبه مع رقم الهاتف فيما بعد!)، وهذا هو سبب اتصالهم بي، وأن "هذا قد حظي بالمصادقة والتوقيع". ورجاني المرسل أن أتصل بالسيد أليكس روبنسون، من بنك نيجريا المحدود، لأنه ممثلهم (؟!) في نيجيريا لأخبره عن الكيفية التي أرغب استلام المبلغ بها –وأكد المبلغ رقماً وكتابة- بحيث أستطيع سحبه من أي بنك أختاره. والمدعو أليكس روبنسون هو رجل دين، رقم هاتفه: +234-706-336-5378، وبريده الإلكتروني: alexrobinson1@blog.lt. والتوقيع: "مع تمنياتي بعالم أفضل: بان كي مون، الأمين العام للأمم المتحدة".
فكرت أولاً بأن لا أكتب الهاتف والبريد الإلكتروني أعلاه، فيبادر أحد إلى انتحال شخصيتي ويستولي على تعويضي عن "الخداع" خاصّتي. وقد خمنت أنني من فئة "الخداع" من كل بد، لأنني لست متعاقداً ولا شركة أخفقت. ثم استنتجت سريعاً أيضاً أنني لن أكون الوحيد الذي وجد هذا البان-كي-مون اسمه على قائمة المخدوعين، وتوقعت أن تكون رسالة مماثلة منه قد وصلتكم جميعاً، فلماذا يحتاج أحد نقودي؟! أما إذا أسأت التقدير، وكان أحدكم قد نجا من الخداع ولم يُبلَّغ بالتعويض، فسرقني، فسيكون ذلك خديعة أخرى.
وقد "مزحنا"، فلنحتسب المكاسب. أولاً، ثمة من يرسل نسخاً من هذه الرسالة إلى عناوين "ياهو" في العالم، وهو يقدر أن الكثيرين من أصحابها سيعترفون بأنهم مخدوعون، فينخدعون ويصدقون. وأعجبني شخصياً أن ممثل الأمم المتحدة نفسه يعرف بأني مخدوع ويرغب بتعويضي عن ذلك، وفكرت بأنواع الخداع التي أتعرض لها، وصدقوني أن الواحد يندهش من كمَّ ونوع الخداع الذي يتعرض له، وممن، حين يفكر في ذلك. ثانياً، زودتني الرسالة بمقال خفيف أكتبه، فأتلهى به عن مناجزة الكتابة في "العنف المحلي" من دون أن أقع في المحاذير، ومنحتني وقتاً إضافياً للتريث. ثالثاً، وفرت لي الرسالة فرصة لأوصي أصدقائي ممن يقرؤونني بإلقاء مثل هذه الرسائل فوراً في سلة المهملات، وبأن لا يرسلوا عناوينهم وأرقام هواتفهم -وخاصة أرقام حساباتهم البنكية- لأي جهة يجهلونها. وأخيراً، ربما يزيح هذا المقال عنّي عبء الشرح المتكرر للطالبين مساعدتي في تعبئة مطالباتهم بجوائزهم -بالإنجليزية، أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. وآمل أيضاً أن أتخلص من حرج ممارسة دور مبدد الآمال، وقاتل الأحلام الذي يبلغهم بأنهم يقبضون على الهواء، ولم يربحوا غير حلم ليلة صيف، بعد أن يكونوا قطعوا شوطاً في الأمل.
ولكن.. ما الذي يمنع أن يكتب بان كي مون لكاتب صحافي؟ وماذا لو كانت الأمم المتحدة تريد فعلاً منح كل منا مبلغ 601.800 دينار أردني، تعويضاً عما تمارسه علينا من "الخداع"؟!
* نقلاً عن "الغد" الأردنية