ما ليس بالفنان أسهل في التعريف مما هو الفنان، وهكذا الحال في كل تعريف لمعنى من المعاني أو لكائن من الكائنات. فأنت تعرف أن زيداً ليس بعمرو، لكنك لا تستطيع بنفس السهولة أن تذكر تعريف عمرو وزيد فتحيط بأوصاف هذا وذاك. هكذا نعرف الفنان من طريق النفي قبل تعريفه من طريق الإيجاب، وبهذا القياس كنا نقول إن الفنان ليس كغيره، فلم ذاك؟ إن أخذنا التحليل في اختلافه فسنقع في الجزء الصعب. وعموماً، فقد أعادت الأوضاع العربية الساخنة تعريف الفنان العربي من تصرفات الفنان نفسه وتصريحاته إزاء المجريات، فكشفت لنا عن الإنسان الذي يكمن وراء المظاهر والألقاب، فمن عهدنا فيه التصدي لأوثان القمع والتسلط ومظاهر الفساد، والتحرّر في التناول تحيّزاً للوطن وأهله، هذا الفنان بصورته التي عرفنا أو التي كان حريصاً على تقديمها، انتفضت الشعوب وثارت فإذا هو لا على مستوى معرفتنا المتوهّمَة به، ولا على مستوى صورته التي حفظناها عنه.
فالفنان السوري المخضرم، الذي عشنا على مسرحياته وتمتّعنا بلسعاته عن السلطة وأصحابها، وبقفشاته الذكية التي كانت تضحكنا وتبكينا وتعرّي حاضرنا وماضينا، هذا الفنان وغيره من فناني سورية، ومن يقابلهم في الأوطان العربية وبالذات في مصر، أعادوا تعريف علاقة الفنان بالسلطة، فبعد أن اكتشفنا أنها كانت رياء للسلطة الحاكمة مغلفة أحياناً بشعارات ثورية، فإذا بنا نلتقي بالنفاق للسلطة على إطلاقها. فسبحان الله كيف بات الفنان العربي بين ليلة وضحاها مع كل ما هو شاب، ناسياً ومتناسياً أن الشباب يظل حالة ذهنية بحتة، لا ترتبط بعمر معين ولا برقم معين. ومع ذلك فالموجة الصاعدة هي للشباب ولا بد من ركوبها، فإن تحولت إلى رجال الدين فلم لا! وإن كانت تطالب بأحزاب بعينها فلا ننسى أن نذكرها بخير لعلنا نسجل بعض النقاط لديها.
باختصار، الفنان العربي مرهون بتقدير السلطة ومحاباتها أياً كانت، ولا علاقة لذلك ببطولاته الافتراضية التي يؤدي أدوارها، فالفنان العربي قد دلّل (إلاّ قلة) أنه لا صاحب موقف ولا مبدأ ثابت، وإنما هو التلوّن بحسب السائد وانتفاع المصلحة الشخصية. أما المواضيع الكبيرة التي تبنّى طرحها في أعماله، فهي مجرد أداء لم يحمل بالضرورة الاقتناع بها والإيمان برسالتها وإلا كنّا شهدنا مواقف غير المواقف المفتوحة على أكثر من معنى وخط عودة، خاصة وقد خف أو حتى اختفى الضغط القادم من الأعلى، والذي كان يحد من حرية تعبير الفنان، وقيل يهدده ويحاربه.
فهل هبط الفنان العربي لأننا من رفعنا سقفه؟
شعوبنا تتحكم العاطفة في انفعالاتها ومنها تتشكل وجهات النظر وتتمحور، فقد يكون تعلقنا بالفنان لأسباب عائلية أو شخصية لا علاقة لها بقناعاته وتوجهاته الفكرية، وحين استوى الوقت الذي عليه إظهار هذه القناعات تقزّم الحجم وعجزت الثقافة السياسية- الاجتماعية للفنان أن تتطور مع الموقف. والأغلب أنها من الأساس كانت غائبة، ونحن من توهم أنها حاضرة لأننا لم نفصل بين الممثل المؤدي وبين الإنسان في الواقع، ومن الأنسب لنا نحن الجماهير العربية من اليوم وصاعداً، أن نضع المرء في إطار حجمه بلا تضخيم ولا تفخيم، أياً كانت البؤرة التي يحتلها على كرسي الحياة، فإن جاء بما يستدعي الإضافة، كُرّم لهذه الإضافة وبلا احتفاء مبالغ فيه يخل بتوازن هذا المُكَرّم، وإلاّ فنحن في غنى عن صعوده على أكتافنا وهو إلى قشور المظهر أقرب، فلن نحرمه من سنة الإنصاف لجهوده في أعماله إن استحقت، ولكن لن نضاعف من حوله القناديل فما هو سوى سد لزنقة قناة تريد أن تسوّق ثرثرتها.
أما الملاجئ والأماكن المنكوبة فلنترك زياراتها لأنجلينا جولي وجورج كلوني، وليبق لفنّانينا وشخصياتنا العامة لقطات الصور الفوتوغرافية مع الألقاب وشعار المنظمات بكامل أناقتهم وزينتهم، وابتسم... تطلع الصورة عربية.
*نقلا عن "الحياة" السعودية