أدّت فضيحة التنصت الأخيرة في بريطانيا إلى اهتزاز مجموعة "نيوز كورب" الإعلامية التابعة لروبرت مردوك، وإلى تهديدها بتحقيقات قضائية حالية ومستقبلية في بريطانيا وأوستراليا والولايات المتحدة، وإلى إغلاق أهم صحف المجموعة "نيوز أوف ذي وورلد"، بعد 168 عاماً من العمل، وهي المعنيّة مباشرة بالفضيحة، وبالأخطاء المهنية الفادحة التي ارتكبها صحافيوها ومديروها. كما أدّت القضية إلى استقالات مدويّة لقائد شرطة "سكوتلنديارد"، والمدير العام لشركة "داو جونز" ناشر "وول ستريت جورنال"، والمديرة العامة لـ "نيوز إنترناشيونال" التي أوقفت ثم أُطلقت بكفالة... والمسلسل متواصل!
تطرح هذه الفضيحة، في لبنان قبل غيره، عدداً من المسائل الأساسية المتعلّقة بنفوذ الإعلام ودوره في الحياة العامة؛ وسبل تمويله وتخطّيه للأزمات الإقتصادية والتحديات المالية والتشغيلية والتكنولوجية؛ وأدائه لناحية غياب الصحافة الإستقصائية والقدرة على المساءلة والمحاسبة؛ وضرورة إصلاح القوانين والتشريعات والأطر الرقابية الناظمة؛ والحد من الجنوح نحو الارتباطات الإقليمية، والانتماءات الحزبية، والولاءات المذهبية، والمصالح المادية، والرقابة الذاتية؛ بالإضافة إلى تعزيز القدرات التعليمية والمهنية والأخلاقية للعاملين في القطاع؛ وحماية الجمهور من بعض التجاوزات الإعلامية... وأخيراً، صون الحريّات الإعلامية وتفعيل العمل النقابي من دون استغلالها لأهداف سياسية ومصالح تجارية ومآرب شخصية.
الإعلام اللبناني ابن بيئة حاضنة لثقافة الفساد والصفقات، والإثراء غير المشروع، وصرف النفوذ، وغياب المحاسبة، وانحدار سلّم القيَم، هذا إذا ما وضَعنا الإيديولوجيا والسلاح والإغتيال جانباً! من هنا، اعتمدت بعض الوسائل الإعلامية "أسوأ الممارسات"، مثل اللجوء إلى المال السياسي والدعم الحكومي؛ أو التوجيه والإنحياز والخلط بين الخبر ووجهة النظر؛ أو فبركة "المصادر" ونسبها خطأً؛ أو قبول "المكافآت" و"الهدايا" مقابل الخدمات؛ أو المبالغة والتضخيم وإثارة الغرائز؛ أو اعتماد الأسلوب الفضائحي؛ أو ابتزاز الوجوه العامة في حياتها الخاصة؛ أو عدم مراعاة الكفاءة والجدارة في التوظيف والتقدّم المهني؛ أو اختيار ضيوف الشاشة والعناوين وفقاً لمصالح أصحاب المؤسسة وارتباطات المُضيف؛ أو ممارسة "التمرين الإعلامي" تحت الهواء لبعض من يظهر على الشاشة من أهل السلطة والمتنفِّذين والمتموّلين، لتلميع صورتهم بدل مقارعتهم ومساءلتهم ومواجهتهم بالوقائع والتجاوزات، بإسم الرأي العام وأصول المهنة؛ أو أخيراً، القيام بكل تلك الممارسات مجتمعة!
لكن، بما أن الجمهور يُدرك تماماً تلك الإنحرافات، مع التسليم بوجود بعض الإستثناءات المشرّفة، فهو يتوقّع من الإعلام المزيد من احترام القانون وتطبيقه، والصدق والشفافية والمساءلة والمحاسبة، والإلتزام بأخلاقيات المهنة وأصولها.
فهل ينجح الإعلام عندنا في عدم السقوط في التجربة... والفضيحة؟!
نقلا عن (النهار) اللبنانية