الأربعاء 08 جمادى الأولى 1434هـ - 20 مارس2013م
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الأربعاء 24 رمضان 1432هـ - 24 أغسطس 2011م KSA 12:12 - GMT 09:12

الريف العربي

الأربعاء 24 رمضان 1432هـ - 24 أغسطس 2011م
سمير عطا الله
سمير عطا الله

بدأ جمال عبد الناصر مرحلة الريف العربي في السلطة، ولعلها انتهت مع معمر منيار القذافي الذي ظل يرفع الخيمة والبداوة في وجه التحضر الذي خشي ان لا نسب له فيه ولا مكان. الخيمة كانت أكثر إلفة وراحة.

وعندما رأى ان التكنولوجيا ليست ترفاً بل هي قدر كذلك، استخدمها في نسف طائرة "يوتا" الفرنسية، وفي نسف طائرة "البانام". الاولى، لأن أحد خصومه كان عليها، والثانية، رداً على رونالد ريغان الذي قصف منزله من ارتفاع 45 ألف قدم.

كان هاجس عبد الناصر، الذي رأى الفقر في الصعيد، ان يقضي على امتيازات الباشاوات وذل المعوزين، لكنه في الطريق قضى ايضاً على المصانع والتجارة والبورجوازية المنتجة وحاضرة الاسكندرية، كإحدى أهم مدن المتوسط، قديماً وحديثاً.

غير ان في خلفية عبد الناصر، كانت الحرب في فلسطين، ومدينة نضرة اسمها القاهرة، وبلد نهضوي اسمه مصر، فيه الازهر، وفيه معالم محمد علي والخديوي اسماعيل، وفيه مسرح الريحاني وسدة أم كلثوم، ومؤنسات شوقي ورامي وبيرم التونسي. وثلاثتهم نفتهم الملكية الى أوروبا ولم ترسلهم الى المقاصل والغياهب، وتكريم الشهادة بعد القتل. وهو ابتكار بدأه أبو عمار في بيروت، فكل من كان يقتل على الحاجز، ويتبين من أوراق جثته أنه يساري ومناصر للمقاومة، كان أبو عمار يسارع الى إعلانه شهيداً، ويرفع فوق نعشه شارة النصر.

جاءت من الريف العربي الموجتان: الوجدانية المعذبة، المتألمة، الحالمة والندية: بدر شاكر السياب، أدونيس، محمد الماغوط، بدوي الجبل، الطيب صالح، وجاء منه صدام حسين، رجل من تكريت، حيث كانت القضايا تحل في صباه، بمكمن لمعلم المدرسة، يزهق فيه! درسه الأخير.

اندفع الريف على المدينة باعتبارها عدوته الاولى: هي، وحياتها الكفية، ولباسها الافرنجي، وسياراتها اللامعة. لذلك حرص صدام حسين على ان يكون الأكثر أناقة في العالم. ولم يفسد عبد الناصر في شيء، لكنه أظهر ضعفاً شديداً حيال كرافاتات "السولكا". ولم يترك أنور السادات زياً إلا جرّبه. ولم يترك القذافي، الذي كان ملازماً عندما استولى على السلطة، لم يترك وساماً إلا علّقه على يمين صدره ويساره، ولم يترك تاجاً ذهبياً ألا أسقطه على رأسه. وفي يوم تتويجه ملكاً على ملوك أفريقيا وقبائلها، أقام لنفسه عرشاً من الذهب كمثل العرش في صورة تتويج الامبراطور جان بتديل بوكاسا الأول.

هل هناك فارق بين الريف والمدينة؟ يجب ألا يغرب عن بالي، انني قروي لا أزال، على رغم ستة عقود من الهجرة الى بيروت ومدن العالم ومتاحف نيويورك وغنائيات باريس. لكن الريف قد يولد الفكر والشعر اما التحضّر فيطلب في المدن. وقد كان بعض الانبياء رعاة وصيادين لكن دعوتهم نشرت في المدن، حيث تنشأ المؤسسات والمعاهد. نقل معمر القذافي طرابلس، فيما نقل، الى بلدته سرت، وبذخ عليها الاموال وبنى فيها المقرات، وظلّت بلدة بعيدة وفارغة ويتعوذ الليبيون في داخلهم من ذكر اسمها. لقد سرقت منهم الحياة والامل والتاريخ. وهو تاريخ شبيه بتاريخ مصر واليونان وروما. التاريخ الذي استوحاه غوستاف فلوبير في "سالامبو" وهتف له نيكوس كاتزافتزاكيس من كريت: ها هو البحر الليبي قبالتي.

في صفاقة لا مثيل لها أصرّ معمر القذافي على جعل ليبيا جماهيرية مؤلفة من خيمة صغيرة وسيرك كبير. رمى الرفاق من النوافذ، الواحد بعد الآخر، أو أرسل يقتلهم في المنافي. وصارت ليبيا مؤلفة من مفكر سياسي (ورجل مبرات وإحسان) هو ابنه سيف الاسلام، ومن قادة عسكريين هم ابناؤه الآخرون، ومن سفيرة للنيات الحسنة، ابنته عائشة، التي راحت تدافع عن صدام حسين في أيامه الأخيرة. لم تكن تعرف عدد المليارات التي بذلها والدها في تهديم عراق صدام. كان عليها ان تسأل أمين الجامعة الشاذلي القليبي. وماذا أبلغته مارغريت تاتشر.

تطاحنت الانقلابات في سوريا، قبل الانفصال وبعده. كان للعسكريين جمهور واحد هو العسكر فوضعوهم في الدبابات، وراحوا يتعاقبون على ذبح السلطة ودحر فرص التقدم، وتسفيف مستويات التعليم، وتسفيه قيم القانون والحرية والتنمية. والغوا، مثل مصر والعراق، الطبقة الوسطى، ووظفوا الجامعة في خدمة المخفر. ومثل مصر والعراق صارت الاشتراكية صنو الفقر والتخلّف. واصمتت الطبقات المنتجة أو فرّت. أراد الريف كل ما ملكته المدينة، لكنه أغفل قواعدها وتحضرها وتعودها ثقافة الانتاج والترقّي والتنافس في طلب العلم والعمران والرخاء.

سلم صدام حسين وزارة العلوم الى صهره، الدرّاج السابق في الحرس. وكلّفه ترؤس اجتماعات عمداء جامعة بغداد وتنويرهم في ما يجب ان يفعلوا لرفع العلم في عاصمة المأمون، حيث نُقل تراث الإغريق وحيث مرقد المتنبي. ووزارة المعارف في مصر انتقلت من حسين الى من لا ذكر لهم، ولا أثر، في أي معارف.

أتساءل دائماً كيف كان حال الأمة لو ان عبد الناصر فعل ما فعله رفاقه، نهرو وتيتو وشو إن لاي: سعى أولاً الى العناية بمصر، ولم يطلب اليمن والمغرب وتونس والعراق وسوريا ونجران وجيزان والكونغو؟ هل يستحق الأمر ان نلقي نظرة على تجربة الهند، التي كان يحلم نهرو بأن يقلّد تجربة حزب الوفد في مصر، كما قال في رسائله من السجن الى أنديرا؟

القسوة الريفية ألغت لغة النقاش التي بدأها أرسطو في المدينة. فالمدن مركز صهر يرفض تلقائياً النزعة القبلية، والخضوع لزعيم القبيلة، ولثقافتها القائمة أصلاً على أساس ان كل ما هو في مداها سبي لها، حتى لو اتسع المدى الى بلد برمته. تصرّف القذافي في خيرات بلد بحجم نصف أوروبا، على أنه مشاع له. كل شيء كان يصرف له، أو يصرف بأمر منه. وبحسب وزير البترول السابق حوّل سيف الاسلام، باسمه، الى أوروبا، مداخيل بقيمة 250 مليار دولار. هل يبالغ؟ احذفوا منها مئتين.

ينظر الريفي الى مسألة الخسارة والربح والتناوب والتعاقب، على انها قضية تتعلق بالشرف. ليس المهم حياة بلده أو شعبه. ترك صدام حسين في أرض المعركة مع إيران مئات الآلاف من الضحايا. ولما اكتشف حجم التبعات، جاء الى الملك فهد بن عبد العزيز وقال له: كيف لي أن أقوم بذلك وسعر النفط في الحضيض؟ وقال له الملك: دعنا نتدبر الأمر. لكنه اختار الحل الآخر: اذا كانت ايران قد صدت الهجوم، فلن يكون ذلك في امكان الكويت. سوف يأتي بالكلفة من هناك. كأن المسألة بئر مياه في تكريت قد جفّت، فذهب شيخ العشيرة يطلب بئر جاره. لم يدرك أن توازن القوى وميزان الطاقة، ليسا هبّة، تغير على مرعى أو مسقى.

من قبوه الأخير ظلّ صاحب الخيمة المزركشة يطلب النصرة من القبائل. كأنما هو حقاً خدعها يوم ادعى البداوة فيما يجمع، ربما، أكبر ثروة في التاريخ. كأنما الليبيون لا يعرفون ان خلف التهريج باسم الثورة والمسرح الخالي، عملية نهب منتظم. كأنهم لم ينتبهوا الى ان الاخ القائد لم يقدم مرة موازنة حكومية. وعندما تساءلت أمام الدكتور احمد ابرهيم الفقيه عن مدى الوقاحة في ذلك قال: ذلك افضل مليون مرة. فالموازنات الزائفة تغطي نهباً أكبر.

أقامت الأنظمة العربية شبكة من الرعب يرضى فيها المرعبون ويخاف الجميع. قال ساخر ليبي: "ما زلت حياً أتلفت". أي لا يزال يتلفت يمنة ويسرة قبل أن يتفوّه بكلمة. على غرار رومانيا، كان كل رجل آخر عضواً في مخابرات القذافي. وعلى غرار تشاوشيسكو انفض عنه أولاً، الجلادون والجلاوزة والذين جنوا الرغد من بؤس الآخرين وقهرهم وأحزانهم ودوار الرعب مع دورة الأرض.

كرر معمر القذافي حرفياً تقريباً، مشهد سقوط بغداد. يخاطب النشامى والعاصمة تنهار من تحته. لم يبق له سوى صوته وقصيدة عصماء فألقاها، مترنماً بالقوافي، مترنحاً بإيقاع النهايات الحتمية لسنوات الطغيان.

أتخيله، هو وصدام حسين وعلي عبدالله صالح، يبحثون عن الذين غرروا بهم. عن الفرنسية التي وضعت كتاباً عن الملازم معمر منيار يقول إنه "نبي الصحراء الجديد". عن الذين كتبوا الدراسات العلمية عن انتصار نظريته الكونية على الاشتراكية والرأسمالية ولم يبق سوى أن تسود العالم.

ما هذه المأساة العربية العارمة التي تتنقل من دار الى دار في اسطول من القتل والانتحار: حسني مبارك يرسل الجمّالين الى ميدان التحرير من تحت، ويرسل الميغ من فوق، ثم ينتهي في قفص على سرير. وصدام حسين يرسل علي الكيماوي الى حلبجة ثم ينتهي في جحر. وعلي عبدالله صالح يحترق ولا يزال يطالب باكمال الولاية الثلاثينية. ومعمر القذافي تحت الأرض ولا يزال يسمي الذين فوقها الجرذان، وأولاده في الخطف او في المعتقل الأكثر ضراوة ووحشية من معتقلاته. هو أول من استخدم تعبير الكلاب الضالة في وصف معارضيه. وهؤلاء يبحثون اليوم عن القائد الهارب.


*نقلا عن "النهار" اللبنانية.