أفهم أن يهاجم مخلوق اسمه توفيق عكاشة الدكتور محمد البرادعي، انطلاقاً من كون الأخير لم يزغط البط يوماً، أو يضع يديه في روث الجاموسة، أو يسبح في طفح المجاري وبعض الفضائيات الخاصة، لا فرق.
وأتصور كراهية ضابط للبرادعي شخصاً وفكرة ومشروعاً، باعتبار أنه كان وراء كل المصائب التي نزلت على رأس دولة الأمن.
وأفهم أن يقودك حظك العثر لركوب تاكسي أبيض فتجد نفسك فجأة بين براثن سائق بدرجة أستاذ علوم سياسية بالبنديرة ينهال عليك بدروس تبدأ بـ"شفت الثورة عملت في البلد ايه"، ثم ينتقل مباشرة إلى الهجوم على البرادعي على أساس أنه ليس "واحد مننا" وأنه "بتاع الفيس بوك والكلام الفارغ ده"، مع أن الأيام أثبتت السقوط الذريع لنظرية عمرو دياب حين كشفت أن القابع في المركز الطبي العالمي طلع "واحد منهم" وليس "واحد مننا"..
كل ما سبق أستطيع أن أتفهمه، لكن ما أجد صعوبة في هضمه واستيعابه هو هذه الروح الانقضاضية الانقلابية الانتهازية من بعض نخبة سياسية تسابقت يوماً وتدافعت وتزاحمت من أجل أن تحصل على مكان بارز في الصورة الجماعية مع البرادعي في أول اجتماع ببيته بعد عودته التاريخية في 19 فبراير 2010.
إن الصور لاتزال موجودة لسياسيين تقافزوا لحجز مقعد أمامي في قطار محمد البرادعي، ومن أسف أن بعضاً من هؤلاء السادة المحترمين الذين هرولوا للاستدفاء بعباءته السياسية ينزعون عن الرجل أي فضل ويرون فيه هم أيضاً "بتاع الفيس بوك".
ولقد قيل مثل ذلك كثيراً قبل ثورة 25 يناير بشهور عدة حين بدت وصلات السخرية والردح السياسي لحملة التوقيعات الإلكترونية على بيان البرادعي للتغيير، حتى إن بعض رؤساء تحرير صحف الحكومة المخلوعين كان يخرج على الشاشة ضاحكاً ملء شدقيه ليطمئن الخائفين من ظهور البرادعي بقوله إنه "بتاع فيس بوك وتويتر" فقط.
وبصرف النظر عن أن الأيام أثبتت أن "بتوع الفيس بوك" أكثر حضوراً وتحققاً في الواقع، فإن الملاحظة الجديرة بالتوقف هنا أن بعض المرشحين المحتملين بدأوا يمارسون نوعاً من النزق الذي يليق بمعركة انتخابية على مقعد محليات وليس مقعد رئاسة مصر، ومن ذلك الاستسلام السريع لغواية التعليق وإبداء الرأي في منافسيهم وبشكل خاص محمد البرادعي الذي ينتقد لأنه يتواصل عبر "تويتر" و"فيس بوك" وكأننا بإزاء تعريف جديد لكلمة "الواقعية" صكه توفيق عكاشة وسار على دربه كثيرون، حيث نعيش واقعية تزغيط البط وتعشير الجاموسة والسباحة في مجاري القرى والأحياء الشعبية.
إن من حق كل مرشح محتمل أو غير محتمل أن يحلم برئاسة مصر، وأن يسعى في تحقيق ذلك بكل الوسائل والسبل، بما في ذلك السخرية من محمد البرادعي، لكن الموضوعية تقتضي التذكير بأن 19 فبراير 2010 كان يوماً فاصلاً في تاريخ مصر الحديث، حين عاد محمد البرادعي إلى القاهرة وعادت الروح إلى معارضة مصرية كانت متناثرة ومتخبطة ومترددة على نحو لم يكن يقنع أكثر المتفائلين بأن التغيير في مصر يمكن أن يأتي عبر طريق آخر غير "طريق عزرائيل".
إن حالة التململ الرسمي والأمني ولدى بعض النخب من البرادعي إذا تكلم وأيضاً إذا سكت تبدو في حاجة إلى دراسة.
* نقلاً عن "الشروق" المصرية