كم هي المرات الضائعات التي وجدتُ فيها الحافز من دون أن أجد المناسبة المواتية للكتابة عن مذيعة قناة العربية نجوى قاسم بروح الصداقة والإعجاب، حتى عندما نجت هذه المراسلة الحربية بأعجوبة من انفجار مروع استهدف مكاتب "العربية" في بغداد قبل عدة سنوات. فقد كانت الخشية لدي أن يكون مثل هذا التقدير الرفيع لأداء نجوى مجرد حالة فردية لا تحظى بقاعدة واسعة من المعجبين، وذلك إلى أن شاهدت مؤخراً يافطة مرفوعة في إحدى المسيرات الشعبية السورية المتعاظمة تشكر هذه المذيعة المتميزة وتثني عليها بالاسم، الأمر الذي وفر لي مدخلاً ملائماً للخوض في الموضوع بلا تردد إضافي.
ومن غير أن نغمط من حق مذيعات أخريات متميزات بتفاوت على شاشات مختلف الفضائيات، أو نبخس من نصيبهن العادل في التقريظ والثناء، فإنه يبدو لي أن نجوى قاسم قد تكون أكثرهن تميزاً وأشدهن تألقاً، سواء لجهة التمتع بإشراقة شخصية تفيض حيوية وعفوية وثقة بالنفس، أو لجهة امتلاك قدر كبير من الموهبة والإتقان والتمكن في إدارة حوارات إشكالية، تنم عما لدى صاحبتها من ثقافة وذكاء وسعة اطلاع، فضلاً عن جاذبية خاصة وتواضع جم ظل ينأى بنجوى عن ضفاف الاستعراضية، ويستجلي في أعطافها معرفة غزيرة بموضوعات الحوار، ووعي شفيف بشخصيات الضيوف وما يمثلون من جهات.
ولعل ما يثير أفضل الانطباعات لدى المتلقي وهو يتابع إطلالة هذه الإعلامية المتمكنة من أسرار مهنة المتاعب والأضواء، بلاغة حضورها الجميل، ورقة الدخول والانصراف، ناهيك عن البراعة الشديدة في استلهام السؤال الذي يود المشاهد أن يطرحه بنفسه على ضيف الشاشة وأن يتلقى منه الجواب، حيث تتجنب نجوى دائماً أخذ الكرة إلى خارج خطوط التماس، وإشغال المشاهدين بالهوامش والثانويات، فوق أنها، بثقافة اللسان وعذب الابتسام، لا تستغرق الجمهور بتلك الأسئلة الطويلة المثيرة للسأم، ولا تظهر كمحقق صارم يستنطق موقوفاً في أحد أقسام البوليس السياسي، على نحو ما تنزلق إليه كثرة من المذيعات المتشاطرات في مقاطعة الضيوف بفظاظة تثير الامتعاض.
ومع أن نجوى قاسم سبق لها أن أجادت بث تقاريرها الإخبارية المصورة من عين المكان، سواء أكان ذلك من أفغانستان أو من العراق ولبنان، إلا أنها تبدو في وظيفتها الراهنة، كمذيعة لامعة من الأستوديو ومن غرفة الأخبار، وكمقدمة برامج سياسية رصينة الإعداد، أكثر إجادة من ذي قبل، وأبلغ حضوراً وتلقائية مما كانت عليه على مدى أكثر من عقد بدأته مع قناة المستقبل، ونالت خلال سنواته الصاخبات استحقاق أفضل المذيعات العربيات لمرتين اثنتين، الأمر الذي يجعلها امرأة ناجحة جديرة بمثل هذا الثناء بدون مراء، وخصها بهذه الاستراحة الأسبوعية من جانب كاتب قلما يشغل نفسه بالأعلام من الناس، أو يقصر موضوعه على الشخصيات اللافتة في الحقل العام، إلا في أضيق الاستثناءات.
ويبقى السؤال الذي يراود بعض الذين قد تستبد بهم علامات التعجب والاستفهام إزاء هذا الإعجاب المهني المفعم بالود تجاه واحدة من الإعلاميات العربيات النابهات، سؤالاً محقاً لا جواب عنه، إذا كان السائل لا يتوقع من الكاتب سوى النقد والانتقاد، حتى لا أقول الهجوم والتهجم بلا كلل على من يقع في دائرة الضوء والاهتمام. أما إذا كانت أمانة الكلمة ومسؤولياتها تقتضي الإنصاف، بدون إقساط، لمن يستحق ذلك من الشخصيات العامة والناجحين والنجوم، بمن في ذلك العاملون المجيدون في حقل الإعلام، فإن من الإجحاف بعينه ألا تنال إعلامية من وزن نجوى قاسم ما هي جديرة به من استحقاق أملاه الجد والاجتهاد، ومن إطراء انتزعه الصبر والمثابرة ومواجهة أشد الأخطار.
* نقلا عن "الغد" الأردنية