يحتل الحج مكانة مركزية وجوهرية في الإسلام، حيث يجد المتأمل في فريضة الحج أنها تتميز عن باقي العبادات، وذلك لاشتمالها على كل العبادات الأخرى مجتمعة. وذلك ما يحدده ابن الجوزية بقوله: "الصلاة والصيام يجمعان سببين من هذه الثلاثة: عقد القلب وفصل البدن، والزكاة تجمع سببين: عقد القلب وإخراج المال، والحج يجمع الأركان الثلاثة، فبان فضله، ثم إن إنهاكه للبدن أشد وإجهاده للمال أكثر". وقد جاء في صحيح الجامع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "الحجاج والعمار وفد الله دعاهم فأجابوه وسألوه فأعطاهم". وقال عليه الصلاة والسلام: "نعم الجهاد الحج"، حيث يتساوى الحاج والمجاهد في المشقة. لذلك جعله الرسول أحد الجهادين، وجعله جهاداً للمرأة لأنها لا تقوى على القتال، فقال لعائشة رضي الله عنها: "جهادكن الحج". وجاء في الصحيح الجامع أن "الحج جهاد كل ضعيف".
ونجد الصورة واضحة في كتاب "رحلة المشتاق"، لمؤلفه الدكتور خالد أبو شادي الذي يذكر من مآثر الحج: بذل المال والنزوح عن الوطن ومفارقة الأهل وإيثار ما عند الله.
والحجاج مثل الجنود، في قيامهم وقعودهم المنتظمين، وفي اتجاههم وجهة واحدة، والتزامهم بقواعد مشتركة صارمة.
وبالنسبة لمحمد إقبال فإن الحج يمثل انبعاثاً جديداً وإعادة بناء، إذ لا يراه مجرد رحلة روحية تهيئ الفرد للآخرة، بل هو كذلك صحوة شاملة تحمل المجتمع كله على إعادة صوغ نفسه بإيجاد دور خلاق في التاريخ، وهو أعظم اجتماع إنساني على الأرض، كما يقول روبرت بيانكي في كتابه "ضيوف الرحمن: الحج والسياسة في العالم الإسلامي".
والحج موسم للتأمل، يسبر فيه الحجاج أعماق ذواتهم، ويستعرضون ظروف أوطانهم ومجتمعاتهم. ويقول "بيانكي" إنه في الحج تنصهر الهموم العامة والخاصة، الدينية والدنيوية... في بوتقة واحدة، مما يدفع المجتمع إلى تجديد بناء نفسه وإعادة النظر في موقعه على مسار التاريخ الإنساني.
إن الحج يمثل اختباراً للمسلم في فهم مقاصده الحقيقية وأسراره وحكمه العظيمة، سواء على مستوى المكان أو الزمان... وكل ذلك يبدأ من عقد النية للدخول في الحج، وحتى الانتهاء من شعائر الفريضة. فالحجاج هم وفد الله وضيوفه، يحملون معهم وثيقة تجديد العهد مع الله.
وحتى تكون رحلة الحج مليئة بالخير والمعاني الروحية العظيمة، فعلى الحاج أن يمعن النظر في أسرار المكان والزمان وقدسيتهما، وفي روحانية الرحلة، وأن يسبر ما فيهما من حكمة ربانية بالغة، بحيث لا تتحول مناسك الحج إلى طقوس لا روح فيها، أو إلى فعل رتيب لا يحدث أي فرق داخل الإنسان المسلم ولا يجعل حياته أنقى وأطهر مما كانت عليه قبل الرحلة.
إن الحج فرصة عظيمة للتجدد والبناء ومضاعفة الثواب، وعلى الحاج أن يستشعر كل ذلك بروحانية عالية. فمكة هي منطلق الرسول ومهده الأول ومهبط الوحي وموقع البيت الحرام الذي تعدل الصلاة فيه مائة ألف صلاة في غيره، كما جاء في الحديث الشريف: "صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه".
ويمثل الطواف حول الكعبة شعيرة روحية عجيبة، وهو مماثل لحركة الدوران التي يعتمد عليها الكون حول مركز معين، فيما يشبه السعي بين الصفا والمروة مغناطيس الكرة الأرضية. أما ماء زمزم الذي جاء في الحديث الشريف أنه خير ماء على وجه الأرض، فقد كان الإمام الشافعي يقول عنه: "شربنا ماء زمزم لتعلم العلم فتعلمناه، ولو شربناه للتقوى لكان خيراً لنا".
نقلا عن (الاتحاد) الإماراتية