المواقف التي نعيشها كل يوم في حياتنا تشبه كثيرا المشاهد السينمائية، فهي تكتب فتمثل وتصور ثم تجمع لتكون الصورة النهائية وهي الفيلم، وكل مشهد من تلك المشاهد مرتبط بما قبله ومسبب له. لكن مع ذلك قد تتعرض بعض المشاهد للحذف دون أن يتأثر الفيلم، بل على العكس تصبح النتيجة النهائية أكثر تناغما وجمالا.. وهذا ما فعله أسامة!.
أسامة مهندس ناجح يعمل في إحدى أهم شركات البتروكيماويات في المملكة. يملك منزلا جميلا ويتقاضى راتبا خياليا، متزوج وأب لطفلين. تعيش معه والدته التي أعياها رحيل رفيق دربها بعد مرضه، فآثرت البقاء في منزل أسامة بالخبر بدلا من الاختناق وحيدة في منزلها بالرياض. أسامة شاب يحب عمله كثيرا، لذا لم تكن ساعات الدوام الرسمي طوقا يلتف حول عنقه، فقد كان يبقى بعد انتهائها لإنهاء عدد لا بأس به من الأعمال التي لا تحتمل التأجيل حسب رأيه، فتكون النتيجة أكثر من اثنتي عشرة ساعة عمل تكسب شركته أرباحا متتالية وعلى إثرها يحقق هو مراكز مرموقة، وفي المقابل يعود إلى منزله .. بقـايا إنسان!.
فبعد يوم طويل لم يكن يطيق أسامة سماع وقع أقدام الصغيرين وصراخهما الشقي، ولم يكن يملك قوة الاحتمال لسماع عتاب زوجته المتواصل بسبب تأخره كل ليلة، ولم يكن يملك ذهنا خاليا ليقضي بعض الوقت مع أمه التي كان يعود ليراها نائمة على «الصوفا» تنتظر وصوله، فيقبل رأسها بهدوء ويتناول طعامه ويخلد إلى النوم كطفل صغير.
لكن، وفي صباح يوم أليم.. وبينما كان يهم بالخروج إلى عمله.. سمع صوت أنين لا يتوقف، فتتبعه ليعرف مصدره، حتى قادته قدماه إلى غرفتها!، ففتح الباب بخفة ووجد أمه تقف أمام النافذة وهي تذرف الدمع وتئن!، صرخ: «يمه وش فيك!»، وركض إليها يقبل رأسها ويمسح دمعها ويسألها عما أصابها وأين يؤلمها، نظرت إليه تعاتبه لأنه تأخر عن عمله، ثم قالت: «ما فيني شي يا وليدي، بس اشتقتلك وبكيت! وأنا كل يوم اشتاقلك!».
كان هذا الموقف بمثابة موجة كهربائية صعقت أسامة، وجعلته يعيد ترتيب حياته من جديد، ويحذف الكثير من المشاهد التي كادت تفقده تلك الشمعة التي تدفئه وتحفه بتوفيق الله الذي قرن رضاه برضاها، وأقل ما يقدمه لها الآن هو الوقت الذي يقضيه معها وهي التي أعطته كل ما تملك.. حياتها!.
أخيرا أتساءل، هل نحن بحاجة للظلمة كي ندرك قيمة النور؟ لا أرجو ذلك.
* نقلاً عن "عكاظ" السعودية