كل فرد سعودي يعمل في مجال السلامة يعرف القواعد الضرورية لحفظ أرواح الناس في أماكن التجمع. في المملكة خبراء في كل المجالات يفيض عددهم عن حاجتها لكننا نعيش في عصر ونفكر ونعمل بأساليب عصر آخر. كررنا ورددنا في السنوات الماضية قولا مغلوطا حتى تحول إلى فلسفلة عمل :(نأخذ منهم ما يفيدنا ونترك ما لا يفيدنا). هذه العبارة أو ما معناها تحولت إلى ملاذ احتفالي يتفاخر بها أصحاب الفكر الانعزالي ومن تبعه بحسن نية. حريق مدرسة البنات بجدة والتقرير المنشور في جريدة الرياض يوم أمس الأول خير مكان يمكن أن نبدأ منه مناقشة هذه الفلسفة المخادعة.
المؤسسة التعليمية (المدرسة أو الجامعة) التي نستخدمها اليوم هي نظام مستورد من الغرب. الرياضيات والجغرافيا والتاريخ باستثناء بعض علوم الدين فكرة وجودها وتلقين الأبناء بها فكرة غربية خالصة. نظام المبنى ونظام توزيع الطلاب وأسلوب جلوسهم في الفصول وأسلوب دخولهم وخروجهم أيضا هي فكرة غربية نقية. وجود مدير ومشرف ومدرسين متخصصين وإدارة عامة ومناهج هي أيضا فكرة غربية لم نشاركهم بشيء أثناء صنعها. عندما تم استيراد هذه المنظمة لم نضف عليها (من عندنا) سوى عصر لا علاقة له بالعصر الذي جاءت منه . لم نكتف بإدخال عصر على عصر بل أضفنا على هذه المنظمة أعباء أيدلوجية شديدة التبرم والعزلة. مدارس البنات في المملكة تحديدا يمكن أن تنظر إليها بوصفها مدارس وإذا أردت يمكن اعتبارها قلاعاً محكمة. قدم لنا الغرب مدرسة وأجلسناها بكل براعة داخل معتقل.
يقول التقرير الذي أعدته الزميلة حياة الغامدي المنشور في هذه الجريدة يوم أمس الأول: (في الوقت الذي تغلق فيه أبواب الطوارئ من قبل إدارة المدرسة للتحكم في سير الطلاب والطالبات اعتبرت جريمة إنسانية وقتل النفس بغير حق؛ بصرف النظر عن حجمها، في حين تعمد بعض الإدارات إلى الاستعانة ب "حدادين" لغلق باب الطوارئ وتحويله إلى "شبوك.... -)
هناك تعليمات تأتي من الوزارة متعلقة بإدارة المدرسة. يطبق بعضها بحزم ويهمل بعضها. شروط العباءة, شروط تسليم الطالبة لولي أمرها, شروط دخولها وخروجها والمحافظة عليها حتى الموت مطبقة بكل حذافيرها بينما شروط السلامة التي تصل لا تطبق ولا يوجد من يتابع تطبيقها( أصلا). تكافأ المديرة وتعاقب على تطبيق الشروط الأيدلوجية ولا تساءل حتى سؤال عن تطبيق شروط السلامة . عندما تصلها تعليمات تبدأ بكلمة ( لوحظ) أو عندما يتصل بها رجال الهيئة تصاب بالفزع. في هذه اللحظة نبدأ فهم عبارة ( أخذ منهم ما ينفعنا ونترك ما لا ينفعنا ). نقطة التناقض الحرجة التي نستطيع من خلالها رؤية نتيجة انتزاع الشيء من جذوره الثقافية وسياقه الذي تخلق فيه. موقف المديرة عامل حاسم. تقف المديرة ورؤساؤها أمام ثقافتين متصادمتين، الانحياز لأي منهما تقرره المصالح الشخصية. أيهما أضمن للحفاظ على الراتب وقوت الأولاد. أمر رجل الهيئة أم توجيهات رجل الدفاع المدني. العباءة أم الحياة؟ أترك الجواب لكل أم تابعت ما حل ببنات مدرسة جدة.
*نقلا عن صحيفة "الرياض"