يروى عن رجل أمريكي أنه سمع بحكيم صيني يدل على مفتاح السعادة فاستقل طائرة قطع بها نصف قطر المعمورة ليصل إليه، وهناك استقبلته سيدة متواضعة في بيت بسيط طلبت منه الانتظار قليلاً، ولكن الأمريكي بدأ ينفذ صبره عندما اقترب الانتظار أكثر من ثلاث ساعات عندما أطل عليه الحكيم الصيني بوجه مهيب وجلس إليه ولم يعتذر عن التأخر وخاطبه هل تريد شرب الشاي؟
قال الشاب متعجباً: ماذا تقول؟
كرر الحكيم الصيني نفس الجملة: هل تريد كوباً من الشاي؟
تمالك الأمريكي نفسه وأصر على أسنانه وقال: نعم أريد شرب الشاي. وبعد قليل دخلت الخادمة بصينية الشاي فبدأ الحكيم يصب للشاب قدحاً من الشاي، واستمر في ملء القدح حتى فاض، واستمر في السكب أمام دهشة الأمريكي، حتى اندلق على الطاولة، وبدأ في الوصول إلى أرض الغرفة. عندها لم يتمالك الأمريكي نفسه: ماذا دهاك أيها الحكيم ألا ترى أين يتدفق الشاي. أجاب الحكيم بهدوء: انتهت المقابلة.
صرخ الشاب: قطعت آلاف الكيلومترات لأنتظر الساعات الطوال لتعرض علي كوبا من الشاي، ثم ليتدفق الشاي على أرض الغرفة ما هذا؟
وقف الحكيم يودعه على باب الغرفة قائلاً: هل تعلم ما هو مفتاح السعادة؟ أن تحضر إلي وأنت غير ممتلئ، وإلا كان مصيرك مصير القدح الذي امتلأ بالشاي ففاض.
إن النفس مستودع عجيب لتيارات شتى من المشاعر لا تعرف التوقف، وكما كانت الطبيعة في يوم عابسة مكفهرة قد تكون رائعة بمناخ عليل في اليوم التالي. ولكن الإنسان يختلف عن الطبيعة، فهو يملك الإرادة، ومنه فإن التحكم بالذات هو جوهر ارتفاع الإنسان وتغيير محيطه.
إن الدخول إلى النفس يجعل التحكم في المشاعر ممكناً ويزداد قوة بالمران، ونقطة الانطلاق فيه هي نظام الأفكار. فمن يتمكن من ذلك فيغير نظام الفكر يغير السلوك، وبتغير السلوك تتغير العادات، وهي بدورها ترسم طباع الإنسان.
يقول عالم النفس البريطاني (هادفيلد) متسائلاً: يا ترى ما هو المنبه المناسب لتنشيط الإرادة؟ ويجيب أن الضوء يثير حاسة البصر، وأن الأصوات تثير حاسة السمع، وأن الروائح تنشط حاسة الشم، ولكن ما يثير الإرادة هو المثل الأعلى.
*نقلا عن "الاقتصادية" السعودية