أوربا، التي قيل يوماً أنها القارة العجوز، هي - في حقيقة الأمر - القارة الغنية ذات الثراء الفاحش، مركز الثورات الصناعية وتوظيف المخترعات تجارياً وتصدير منتجاتها وخدماتها للعالم، وأوربا مقر كبريات شركات العالم، فمثلا مبيعات شركة «رويال شل» للعام 2011 (250 مليار دولار) أي ما يقارب إيرادات الخزانة السعودية.
وقبل ذلك، استعمرت أوربا العالم واستخراجت ثرواته من محاصيل زراعية ومعادن، وحتى أنياب الفيلة لم تسلم من السطو الأوربي. لقد استفادت الدول الاوربية الاستعمارية من مستعمراتها استفادة اقتصادية هائلة ضاقت بها الكتب والمؤتمرات والشواهد في البلدان التي كانت مستعمرة..
ولأوربا عدد هائل من الشركات التي تواصل نجاحها - وبالتالي ربحيتها- عاماً بعد عام دون منافس يعتد به، فكانت لعقود متفردة بأسواق العالم؛ تحصل على المواد الخام بأرخص الأثمان من البلدان المستعمرة وتبيع المنتجات المصنعة ونصف المصنعة بهوامش الربح التي ترتضيها. وبذلك راكمت الحكومات الأوربية وشركاتها العالمية والكبيرة والمتوسطة والصغيرة ثروات قارونية.
القارة الثرية، التي أخذت بتلابيب العالم لعقود طويلة..أصبحت فقيرة! أهذا أمر غير قابل للتصديق. السبب أن اقتصاد أي دولة ليس فقط خزانتها العامة بل مجمل منتجي السلع والخدمات فيها من شركات ومؤسسات وأفراد.
الآن، أوربا أصبحت فقيرة أو هكذا يُراد لنا أن نفهم، وعلى العالم أن يتنادى لإخراج أوربا وحكوماتها من محنة الديون السيادية! لكن مهلاً، نحن نتحدث عن أوربا وليس عن دول شرق أفريقيا. ومع ذلك، فعلى مدى عام مضى نافست مشاكل منطقة اليورو وديون دولها السيادية أخبار الربيع العربي.. لدرجة أن هناك من أخذ في التصديق أن أوربا أو دولا منها قد تفلس! القارة الثرية، التي أخذت بتلابيب العالم لعقود طويلة..أصبحت فقيرة! أهذا أمر غير قابل للتصديق. السبب أن اقتصاد أي دولة ليس فقط خزانتها العامة بل مجمل منتجي السلع والخدمات فيها من شركات ومؤسسات وأفراد. وبالتالي فهؤلاء لا فكاك إلا أن يكونوا متضامنين لانتشال اقتصادهم قبل أي طرف آخر.
حالياً، وبالاضافة للترتيبات المعروفة التي اتخذتها دول الاتحاد الأوربي لسداد الديون السيادية لدول أوربا.. نسمع عن حماس صندوق النقد الدولي لجمع 500 مليار دولار لاعانة أوربا في سداد ديونها. وبطبيعة الحال، فإن هذا المبلغ سيجمع من الدول التي تمتلك الفوائض، ومعظمها دول نامية طارئة الثراء: دول مجلس التعاون والصين والهند والبرازيل..الخ. بمعنى: ان صندوق النقد الدولي سيجمع المال من الدول النامية لسداد الديون السيادية لأوربا التليدة الثراء. السؤال: لماذا لا تساهم شركات أوربا بحماس أكبر وإلتزام أعمق في سداد ديون دولها؟ فهذه الشركات هائلة الثراء، ونظرة سريعة على قوائم الشركات الأوربية ضمن أكبر 500 شركة عالمية ثبت ذلك، وعليه: لماذا لا يطلق صندوق النقد صندوقه الموسوم لسداد ديون أوربا بهيكلية تُشرك القطاع الخاص الأوربي بثلثي الصندوق –مثلاً- والثلث الآخر يتأتى من الدول الراغبة من أعضاء صندوق النقد بما يتناسب ونصيبها في رأس مال الصندوق؟
*عن صحيفة" اليوم" السعودية