نقولها مجددا: لقد فشل اليورو، ليس كتجربة اقتصادية فقط، بل أيضا كهدف سياسي. لقد كان الدافع الحقيقي وراء إنشاء الوحدة النقدية الأوروبية سياسيا أكثر منه اقتصادي، والعامل السياسي هو ما قد يدفع اليونان إلى الخروج من الوحدة النقدية، وهو نفسه ما سيدفع المانيا إلى منع هذا الخروج.
رغم أن معاهدة ماستريخت تعود إلى العام 1992، إلا أن مشروع الوحدة الأوروبية يعود إلى منتصف القرن الماضي، عندما أدرك الأوروبيون أنهم لن يكون بمقدورهم لعب دور مؤثر على الساحة السياسية العالمية منفردين بين قطبي العالم آنذاك، الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي. فبعد عام واحد فقط من انسحاب القوات الفرنسية والبريطانية من قناة السويس تحت ضغط أميركي في العام 1956، وضعوا ما يعرف باتفاقية روما التي هيأت لمشروع السوق الأوروبية المشتركة. وتواصل مشروعهم هذا حتى إطلاق العملة الأوروبية الموحدة في العام 1999.
لقد اعتقد الأوروبيون أن الطريق نحو الوحدة السياسية تمر عبر الوحدة الاقتصادية، من خلال تسهيل انتقال رؤوس الأموال واليد العاملة بين مختلف الدول الأوروبية. لا شك أن «التكامل» الاقتصادي (إن صح التعبير) هو عامل مساهم في تحقيق الوحدة السياسية، لكن الأوروبيين تمادوا عبر تبنيهم الوحدة النقدية. في الواقع، إن اليورو قد باعد ما بين دول الاتحاد الأوروبي أكثر مما قربها: بداية منذ أن رفضت عشر دول في الاتحاد الانضمام إليه (17 دولة من أصل 27 تتبنى اليورو)، وصولا إلى الاختلالات المالية والتجارية العميقة بين دول الاتحاد اليوم، والتي كانت بمعظمها وراء أزمة الديون السيادية التي تتخبط بها أوروبا حاليا.
فالوحدة النقدية قيدت قدرة الدول على اتخاذ السياسات والإجراءات النقدية التي تناسبها، كما أن سياسات البنك المركزي الأوروبي لم تراع بالضرورة مصلحة كافة الدول، لأن ثقل ألمانيا الاقتصادي يختلف عن اليونان واسبانيا مثلا. وما حصل في الواقع هو أن سياسات المركزي الأوروبي في معركته المعلنة لمواجهة التضخم أدت إلى تراجع أسعار الفائدة في دول مثل اليونان وإيطاليا واسبانيا. وقد أدى تراجع أسعار الفائدة في هذه الدول إلى زيادة في الاقتراض على المستويين الخاص والعام. فارتفعت سريعا مديونية هذه الدول، ولم تلتفت الأسواق إلى هذا الارتفاع لاقتناعها بأن هذه السندات مدعومة أوروبيا. وهذا الاعتقاد الخاطئ- الذي ساهم أعضاء الاتحاد الأوروبي كثيرا في إشاعته- أدى إلى طمس المخاطر التي تحملها هذه السندات.
لكن عندما انكشفت هذه المخاطر، سدت أسواق الدين في وجه هذه الدول حتى بات بعضها في دوامة يبدو الخروج منها مستحيلا. وإزاء هذا الوضع، ذهب القادة الأوروبيون إلى ابتكار الحلول، فوضعوا ثلاثة تصورات جميعها لن تفضي إلى حل في رأي، بل إن بعضها يعارض مبادئ معاهدة ماستريخت نفسها التي تنص على عدم إنقاذ الدول المتعثرة.
بداية، اقترح الأوروبيون دعم معدلات كفاية رأس المال لدى البنوك الأوروبية لمواجهة انكشافها على الديون السيادية، وزيادة حجم صندوق الإنقاذ الأوروبي لتمويل هذه الديون. لكن هذا التوجه لم ينجح. فمن جهة، اتجهت البنوك إلى رفع معدلات كفاية رأس المال لديها عبر تقليص حجم أصولها بدلا من زيادة رأسمالها- ما يهدد النشاط الاقتصادي في أوروبا على نحو إضافي- ومن جهة ثانية، عدم موافقة ألمانيا على زيادة مخصصات صندوق الإنقاذ الأوروبي لأنها تعلم أنها ستكون الضامن الوحيد لهذه الأموال.
التصور الثاني الذي كانت فرنسا عرابته يدعو البنك المركزي الأوروبي إلى شراء سندات الدول المأزومة للحد من تكلفة الدين على هذه الدول، وهو ما يقوم به البنك المركزي بالفعل، لكن بشكل غير كاف لطمأنة المقرضين. وهنا أيضا تقف المانيا بالمرصاد خوفا من انعكاس هذه الخطة على الضغوط التضخمية من جهة، ومن حجم الخسائر المحتملة التي ستتحملها هي أيضا في حال الفشل من جهة أخرى.
أما التصور الثالث الذي تدفع به المانيا بقوة، فهو إنشاء نوع من الوحدة المالية يتيح للدول القوية ماليا أن تدعم ميزانيات الدول المأزومة، لكن بثمن سياسي باهظ ستضطر الدول المأزومة إلى دفعه، لأنها ستتخلى عن «سيادتها المالية» (بعدما تخلت عن سيادتها النقدية) لصالح الدول القوية. وهذا التوجه الذي يمضي قدما في الوقت الحالي بدعم ألماني هو ما دفع رئيس الوزراء اليوناني ونظيره الإيطالي إلى الاستقالة.
وفي النتيجة، باتت دول أوروبا المأزومة اليوم أمام معادلة صعبة: إما التخلي عن «سيادتها المالية» أو التخلي عن اليورو. قد لا تجد اليونان مفرا من الخيار الثاني، لكن وضع الدول الأخرى لم يبلغ حد اليأس بعد.
لقد تبنت دول أوروبا الوحدة النقدية لمصلحة سياسية، فإذا بهذه الوحدة تضعها على مفترق طرق. وإذا ما قررت الدول المأزومة التمسك باليورو- كما هو مرجح- فستضطر من دون شك إلى تغيير سلوكها الاقتصادي، وسيضطر مواطنوها للعمل ساعات إضافية وإرجاء مشاريع التقاعد بضع سنوات.
*نقلاً عن صحيفة "الرايا" الكويتية.