توقّفت صحف عدّة عن الصدور، كان آخرها "فرانس سوار" و"لا تريبون" الفرنسيتان وغيرهما في العالم، بسبب الأزمة التي يواجهها الإعلام المكتوب، الناتجة من تَراكُم الخسائر، وانخفاض العائدات، وتَراجُع المبيعات، وارتفاع كلفة ورق الطباعة والتوزيع، اضافة إلى انتقال القرّاء تدريجاً نحو الإنترنت ووسائل "الإعلام الجديد" المُدمَج والمتعدّد المنصّة.
أما في المقلب الآخر، فنرى كيف يستعدّ موقع التواصل الإجتماعي "فايسبوك" للطرح الأولي العام، المُقرَّر في أيار المقبل، والذي يتوقع أن يَجلُب ثروات طائلة للمستثمرين، قد تصل قيمته إلى حوالى 100 مليار دولار أميركي... علماً بأن القيمة السوقية لمحرّك البحث "غوغل" تبلغ 187,83 مليار دولار، في مقابل 87,38 مليارا لشركة التجارة الإلكترونية "أمازون.كوم"!
يعكُس الواقع الحالي لوسائل الإعلام قلقاً على مستقبل الصحافة ذات المستوى العالي عموماً، والإعلام المكتوب (الوَرَقي) خصوصاً، بمعزل عن التكنولوجيا والمنصّة، أكانت ثابتة أم تفاعلية أم متنقّلة.
فالإعلام المكتوب مهدّد بالتعثُّر أمام الإنترنت والمحتوى الرَقَمي، إلاّ إذا نجح في إعادة انتاج نفسه، وتغيير الذهنية التقليدية السائدة، وتطوير نظامه المشغِّل، واتّخاذ الإجراءات الطويلة المدى الكفيلة بتفادي شبح الإغلاق وتأمين الإستمرار والربحية، وأبرزها: التكيُّف مع التقنيات الحديثة واعتمادها، وإعادة هيكلة هيئة التحرير، ودمج غرفة الأخبار التقليدية بالتفاعلية، وصقل المهارات الرَقَمية للصحافيين، وتطوير "المواطن – الصحافي"، وتوفير المحتوى الحصري من مقالات ومواد إستقصائية وغيرها، وتنويع مصادر الأخبار ومواضيعها، وتعزيز القدرة على المساءلة والدفاع عن القضايا المُحقّة بإسم الرأي العام...
وكذلك، تصغير الحجم، وتغيير الشكل لجعل التبويب مَرِناً ومتناسقاً أكثر مع الصور والألوان والخطوط الحديثة، وتقصير المِهَل الفاصلة ما بين التحرير والتوزيع، وتحسين نوعية الورق والحبر والطباعة... إضافة إلى تسويق الخدمات التفاعلية المُدمَجة ذات القيمة المُضافة والتطبيقات عبر الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة، وتنظيم المؤتمرات والفعاليات، وتوفير خدمات الأرشيف والبحوث والتطوير، ناهيك عن خفض التكاليف وإيجاد العائدات المُستدامة...
وأخيراً، بناء ماركات مُسّجلة قوية، قادرة على محاكاة تطلّعات الشباب ومنحهم أسباباً مُقنِعة لشراء الصحف اليومية، بدل اللجوء حصرياً إلى الإنترنت للحصول على المحتوى والتمتّع بتجربة إعلامية تفاعلية مُدمَجة وآنيّة ومتنقّلة ومجّانية (حتى إشعارٍ آخر!).
"المحتوى هو المَلَك" لكن، هل ينتصر نموذج "إطبع لتُوزِّع" أم "وزِّع لتَطبَع"؟ وهل يستمر الشباب في تمضية أوقاتهم في "العالم الإفتراضي" أم نَراهُم يشترون الصحف اليومية مُجدّداً لقراءتها بموازاة الإنترنت؟ عسى أن ينجح "الزواج الإعلامي المُختلَط"، وألاّ تكون مصائبُ صحفٍ عند الإنترنت... فوائدُ!
*نقلا عن "النهار" اللبنانية.