الأربعاء 08 جمادى الأولى 1434هـ - 20 مارس2013م
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الثلاثاء 11 جمادى الأولى 1433هـ - 03 أبريل 2012م KSA 09:05 - GMT 06:05

زعامة غير مسبوقة للبنك الدولي

الثلاثاء 11 جمادى الأولى 1433هـ - 03 أبريل 2012م
جيفري ساكس
جيفري ساكس

في الشهر الماضي دعوت إلى تكليف أحد زعماء التنمية العالمية، وليس أحد المصرفيين أو الساسة، بتولي قيادة البنك الدولي . قلت آنذاك: “إن البنك يحتاج إلى شخص مهني بارع ومخضرم وقادر على التصدي للتحديات الكبرى للتنمية المستدامة من يوم إلى آخر” . والآن بعد أن قرر الرئيس الأمريكي باراك أوباما ترشيح جيم كيم لتولي المنصب، فإن العالم سوف يحصل على ما اقترحته بالضبط: زعيم ممتاز في مجال التنمية.

لقد أظهر أوباما زعامة حقيقية بهذا التعيين . فقد وضع التنمية في المقدمة قائلاً بوضوح وصراحة: “لقد حان الوقت لكي يتولى أحد المهنيين المحترفين في مجال التنمية زعامة أكبر هيئة تنموية على مستوى العالم”.

إن تعيين كيم يُعَد تطوراً خارقاً بالنسبة للبنك الدولي، وهو التطور الذي أتمنى أن يمتد إلى مؤسسات عالمية أخرى أيضاً . فحتى الآن كانت الولايات المتحدة تستحوذ على التفويض الكامل لترشيح أي شخص تريده لتولي رئاسة البنك الدولي . ولهذا السبب، انتهى المطاف بالبنك الدولي إلى العمل تحت قيادة زعماء غير ملائمين، بما في ذلك العديد من المصرفيين والساسة الذين افتقروا إلى المعرفة والاهتمام بقيادة الكفاح ضد الفقر.

ومن أجل كسر هذا التقليد، والتأكيد على الأهمية الحاسمة لوضع زعيم تنموي في موقع المسؤولية عن البنك، انضممت إلى الحملة بنفسي، وكان لي عظيم الشرف أن أحظى بالدعم الشعبي من عشرة بلدان على الأقل، وبالدعم الخاص الذي منحه لي كثيرون . وكان ترشيح كيم فوزاً للجميع، ولقد شعرت بقدر عظيم من السرور عندما سحبت ترشحي لمساندته.

إن كيم واحد من أعظم قادة العالم في مجال الصحة العامة . كما عمل مع زعيم آخر من أعظم قادة الصحة العالمية، وهو بول فارمر، كرائد لجهود مد علاج الايدز والسل وغير ذلك من الأمراض إلى أشد الناس فقراً على مستوى العالم . ومؤخراً، تولى رئاسة كلية “دارتموث” . وهو بهذا يجمع بين خبرات مهنية، وتجارب عالمية، ومعرفة كبيرة بفنون الإدارة، وكلها مؤهلات مثالية لمنصب رئيس البنك الدولي.

لقد عملت بشكل وثيق مع كيم على مر السنين . وهو رجل صاحب رؤية، ويدرك إمكانية توفير الرعاية في الأماكن التي تفتقر إليها تماماً حتى الآن . وهو رجل يتسم بالجرأة، وهو على استعداد للتصدي لتحديات عظيمة . وهو رجل منهجي تماماً في تفكيره، وفي تصميم بروتوكولات جديدة وأنظمة تسليم الرعاية للمجتمعات ذات الدخول المنخفضة . كما تولى قيادة الجهود التي بذلتها منظمة الصحة العالمية لرفع مستوى علاج مرض الايدز لشعوب البلدان ذات الدخول المنخفضة، وكان عمله في هذا السياق مثالياً.

ولكن تعيين الولايات المتحدة له ليس نهاية القصة . فالآن لابد أن يؤكد المديرون التنفيذيون الخمسة والعشرون للبنك الدولي، الذين يمثلون 187 دولة، هذا الاختيار من بين ثلاثة مرشحين . فهو يواجه تحدياً من وزير مالية نيجيريا الموقر نجوزي أوكونجو ايويالا، ووزير المالية الكولومبي السابق خوسيه أنطونيو أوكامبو . بيد أن كيم هو المرشح الأوفر حظاً في الحصول على المنصب، وخاصة في ضوء سجله العالمي الممتاز من الإنجازات.

وقد جلب لنا الشهر الماضي أحداثاً أخرى ذكرتنا بسبب أهمية البنك، ولماذا كنت أؤكد الحاجة الملحة إلى إضفاء الطابع المهني على قيادته . فقد أطيح على نحو مأساوي بحكومة مالي في انقلاب عسكري . ومن عجيب المفارقات أنه كان من المقرر إجراء انتخابات في ربيع هذا العام، وبالتالي فإن البلاد كان من المفترض أن تحظى بحكومة جديدة قريباً.

وأنا أربط هذا الانقلاب بالبنك الدولي للسبب التالي: إن مالي مجرد مثال آخر لبلد حيث يتسبب الفقر المدقع والجوع والمرض والجفاف والمجاعة في زعزعة الاستقرار السياسي واندلاع أعمال العنف.

وأنا أعرف هذا البلد حق المعرفة . والواقع أن معهد الأرض (الذي أتولى إدارته) لديه مكتب كبير في مالي . وقبل سنوات عدة، التمست حكومة دولة مالي المساعدة مني لمحاربة كارثة الفقر المتزايد في البلاد . ولقد حاولت حشد الدعم العالمي لمالي، ولكن استجابة البنك الدولي وغيره من المؤسسات الدولية كانت هزيلة للغاية . ومن الواضح أن هذه الهيئات لم تدرك المخاطر التي كانت بالغة الوضوح لنا جميعاً نحن الذين كنا نعمل في القرى في مختلف أنحاء البلاد.

لا شك في أن الفقر ليس السبب الوحيد لعدم الاستقرار في مالي . فقد لعبت الانقسامات العرقية، وسوق السلاح الضخمة، والآثار غير المباشرة الناجمة عن أعمال العنف في ليبيا، وغير ذلك من العوامل، دوراً كبيراً أيضا . ولكن الفقر في مختلف أنحاء العالم يشكل الشرط الأساسي لتصعيد أعمال العنف وزيادة حدتها.

وكان الجفاف في مالي هذا العام سبباً في تفاقم الموقف السيئ بالفعل إلى حد كبير . ولقد ظللت لأعوام أكتب وأقول إن مناطق الأراضي الجافة التي تمتد من الغرب إلى الشرق من السنغال على مالي والنيجر وتشاد والسودان والصومال واليمن والعراق وإيران وباكستان وأفغانستان تشكل قنبلة موقوتة متزايدة الحجم والخطورة، حيث يعمل تغير المناخ والجفاف والجوع والنمو السكاني على تفاقم حالة عدم الاستقرار.

من رحم عدم الاستقرار تندلع الحروب المروعة . وباعتباري متخصصاً في التنمية أعمل على الأرض في مناطق الجفاف، فإنا أعرف أن أي حل عسكري غير قادر على جلب الاستقرار لهذه المنطقة الشاسعة طالما ظل الناس على جوعهم في مواجهة المجاعة والافتقار إلى المياه والحرمان من سبل كسب العيش والأمل . إن التنمية المستدامة السبيل الوحيد لتحقيق السلام الدائم.

لقد انتبهت الحكومة الأمريكية أخيراً إلى هذا الواقع الجديد المخيف . وفي غضون الأعوام العشرة المقبلة، سوف تسهم المشكلات المتعلقة بندرة المياه في زعزعة الاستقرار في دول تشكل أهمية للمصالح الأمنية الوطنية للولايات المتحدة . ومن المؤكد أن التهديد لا يقتصر على أمن الولايات المتحدة فحسب؛ بل إن التهديد يمتد إلى الأمن العالمي ورفاهية بل وقدرة أعداد هائلة من البشر على البقاء . وليس هناك من الأسباب ما قد يدعونا إلى الانتظار عشرة أعوام: ذلك أن الواقع المرير المتوقع بات واضحاً جلياً بالفعل.

كل هذا يؤكد أهمية البنك الدولي والدور الذي يستطيع أن يلعبه كيم على رأسه، فالبنك قادر على الوجود حيثما اجتمع زعماء العالم للتصدي للمشكلات العويصة القابلة للحل التي تعوق التنمية المستدامة، والجمع بين العلماء والباحثين ومنظمات المجتمع المدني وعامة الناس من أجل نُصرة هذه القضية العظيمة، واجب عالمي، وبوسعنا جميعاً أن نسهم في الوفاء بهذا الواجب من خلال ضمان عمل البنك الدولي بوصفه مؤسسة من أجل العالم حقا، وتقودها الخبرة والنزاهة . ولا شك في أن ترشيح كيم يشكل خطوة هائلة نحو تحقيق هذه الغاية .

*نقلاً عن صحيفة "الخليج" الإماراتية.