السياسة السعودية تاخذ الفرضيات و حتى العلمية منها بالحسبان دون ان تعيش عليها ، فالقدرة الذاتية البحتة هي العامل الوحيد المؤكد لمواقف المملكة و حصانتها ازاء اي تهديد جدي او تحول يسعى الى فرضه البعض لمعتقدات أيديولوجية او توسعات و اطماع إقليمية و دولية ، او حتى مغامرات و نزعات فردية .
فكما عاشت المملكة تجربة مواجهة لم ترغب بها مع زعيم أحبته و احترمته مثل الرئيس الراحل جمال عبد الناصر في حرب اليمن ، تصدت لاحقا لمغامرة الرئيس العراقي صدام حسين الكويتية بعد ان ساندته كثيرا حين كان يحمي حدود بلاده ، و اجتازت المملكة تلك المخاطر بنجاح .
حتمت الأقدار على المملكة كذلك إخطار و مواجهات لم تنته بعد ، فالاطماع الإقليمية لجناحي ذلك الخطر التوسعي الاسرائيلي و الايراني على حساب الغير خط احمر ، لم و لن تسكت عنه السعودية يوما ، لكنها تفعل ذلك اليوم بقدرات شعبية و سياسية ، اقتصادية و عسكرية مختلفة تماماً عن ستينات و تسعينات القرن الماضي ، و بقواعد حكم تلتزم ذروة اللين في الداخل السعودي الى جانب منتهى الوضوح و الشدة مع الخطر الخارجي .
تلك هي تماماً القواعد الذهبية التي انشأت عليها المملكة على يد المؤسس المقاتل الملك عبد العزيز ال سعود رحمه الله ، و بقدر ما تتجنب المملكة السيف ميلا الى الحوار و الدبلوماسية ، فان عروق أبناءها مليئة بدماء الحرب عند اللزوم ، او كما قال لي سمو الامير بندر بن سلطان يوما ، هذه مملكة قامت بالسيف ، و هي لا تخشى السيف دفاعا عن نفسها و عن ابنائها .
لكن إغراء القوة الممزوج بالجنون العقائدي للبعض يصنف المملكة عدوا بشكل طبيعي لاسباب اربعة يراها اصحاب الأجندات الإقليمية منطقية ، فمن جهة المملكة هي حارسة بيت الله و الحكم كله سادن امين للحرم الشريف ، و ذلك واجب حبا به الله ابناء المملكة وابنائها ، اما الثاني فهي منة الله المكملة لمنته الاولى النفط ، بل المعادن و الخيرات الطبيعية ، و الثالث هو الحكم الرشيد للعائلة الحاكمة في ترسيخ بنيان مجتمع قوي و متماسك ، اما الرابع ، و قد يكون الأهم في هذه المرحلة الحساسة هو الدور القيادي في حماية السنة العرب ، و تلك قواعد اربعة مميزة تغري الطامعين العمل ليل نهار لكسر إرادة المملكة و باي ثمن .
لطالما أراح اليسار العربي نفسه من عناء التدقيق باتهام المملكة رعاية و تمويل حركة " الاخوان المسلمين " في العالم العربي ، و كذلك فعلت الأنظمة العربية الشمولية في العراق و سوريا و مصر و ليبيا ، لكن تطورات ما بعد الثورات العربية اظهرت ضعف و هشاشة تلك التهمة خاصة و المملكة تجد نفسها اليوم بحاجة الى الكثير من الروية و الصبر في التعامل مع أنظمة ما بعد الثورات بصفتها الانتقالية .
فالامتناع السعودي عن الانجرار الى مشكلات سطحية او عميقة نابع من حرص واعي من ان أنظمة ما بعد الثورات لم تستقر بعد ، و هي بحاجة الى الوقت و الدعم و المرونة ، و لا غضاضة لدى الرياض عن فعل ذلك ، خاصة و المملكة ليست لديها أجندة خلاف مع الثورات ، بل و قدمت لها ما استطاعت من دعم في ليبيا و اليمن و سوريا .
و قد يسال البعض لماذا لم يحدث ذلك في الحالة المصرية ؟
حقيقة الامر الثورة المصرية كانت عاصفة و سريعة لم تحتاج معها الجماهير المصرية الثائرة اكثر من امتناع الغير عن التدخل ، و المملكة فعلت ذلك كتقليد تاريخي ، و الدعم الاعلامي ، و كل الاعلام السعودي الرسمي و الخاص قدم ذلك بسخاء شديد ، بل ان المملكة التزمت بدعم مالي كبير للاقتصاد المصري المنهك ما بعد الثورة .
اما في الحالة التونسية ، و برغم امتناع المملكة عادة عن مناقشة قراراتها السيادية مع اي طرف ، لكن تطورات الثورات اليمنية و الليبية و السورية و ما واجهتها من قسوة و خسائر بشرية هائلة بحكم تعنت الانظمة الدكتاتورية فيها ، اكدت حكمة القرار السعودي بتامين ملجأ للرئيس المخلوع زين العابدين بن على و زوجته ، كما حتمت الظروف على دولة قطر استقبال ابنة الرئيس و صهره ، و كذلك فعلت كندا و فرنسا و دول اخرى في العالم ، بل ان العرب جميعا ، بما فيهم قادة الثورة السورية يعرضون ملاجئ آمنة لطاغية دمشق حتى بعد كل المجازر المدمرة التي أقدم و يقدم عليها منذ ثلاثة عشر شهرا .
و المملكة اليوم تتحمل اعباء مضاعفة دون ان تبدي اي من مظاهر الإعياء و التردد ، فلا أعياء مع مسائل السيادة و لا تردد في الواجبات القومية و الاسلامية ، و مفهوم السيادة السعودي يتخطى اليوم الحدود الوطنية ليشمل كل حدود و مياه مجلس التعاون الخليجي ، اما الواجب فان المملكة تدرك اعباء القيادة و تقبل بها و بمستلزماتها .
و الرسائل الصادرة من الرياض تؤكد بلا هوادة ان لا سلام في المنطقة ما دام الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية قائما ، و لا استقرار ما دامت ايران تواصل مخططات التوسع و الهيمنة و تهدد جيرانها العرب ، و لا عمل عربي مستقبلي يكون نظام بشار الاسد جزء منه ، و لا معارك جانبية مع الأنظمة الجديدة بل يد ممدودة للتعاون و المساعدة ، و فوق كل شيئ ، و قبل اي شيئ ازدهار و تطور و امن و استقرار المواطن و المملكة .
من يفهم تلك الرسائل و يحترمها فهو اخ و صديق يدخل قلوب ابناء المملكة قبل حكامها .