هي معركة انتخابات رئاسية حقيقية، لا تختلف عما يجري في أي بلد غربي من معارك انتخابية تضم مرشحين من مختلف الأحزاب والتيارات والشوارع وحتى البارات. وهي الأولى من نوعها ليس فقط في مصر، ولكن أيضاً في العالم العربي، الذي لم يسبق له أن شهد تنافسا بغير السلاح على الرئاسة أو العرش أو الإمارة.
وهي من أهم مكتسبات الثورة المصرية التي لم تعد تسمح بالطغيان ولا بالانقلاب العسكري أو المدني، ورسّخت إلى الأبد فكرة اللجوء إلى صنـاديق الاقتراع من أجـــل تداول الســـلطة وتحديد الأحجام وموازين القوى السياسية وحسم الخلافات التي كانت تحسم في الزنـازين أو في الغرف المغــلقة.
حتى الآن، ليس في معركة الانتخابات المصرية ما يعيب شعبها أو ثورتها. حتى الأسماء الكاريكاتورية التي قررت خوض المنافسة كانت تعبّر عن روح مصر ومزاجها، لكنها لم تكن تميّزها عن المعارك التي تدور في أعرق الديموقراطيات الغربية التي تسمح لأميين أو أصحاب سوابق أو عاهرات بطلب أصوات الناخبين أو إثارة ابتساماتهم أو سخريتهم الطبيعية من السياسة والسياسيين.
إنها معركة سياسية بامتياز، تحتمل الكثير من الكذب والخداع المشروع والمألوف في مختلف أنحاء العالم، سواء في اختيار المرشحين أو في صياغة البرامج أو في تشكيل التحالفات.. أو في مخاطبة الجمهور وإثارة غرائزه وعصبياته وتعريفه بمصالحه، من أجل الحصول على صوته الذي يضيع عادة في اليوم التالي لأي انتخابات.
الأمر الوحيد الذي يخل بديموقراطية الانتخابات الرئاسية المصرية هو قرار بعض المرشحين الليبراليين البارزين الإحجام عن خوض المعركة، وبينهم المرشح النخبوي محمد البرادعي الذي قرر كما يبدو التعويض عن هذا الانكفاء بالسعي إلى تشكيل حزب جديد يتوقع أن يضم فريقا مدنيا واسعا من رموز الثورة وشبابها وشاباتها، ويمثل وعدا حقيقيا لمستقبل مصر وتطورها.
عدا ذلك، فإن المعركة جدية جداً، لا سيما بعد التحاق المرشح عمر سليمان بها، ما ينذر بمواجهة حادة بين التيار الإسلامي الذي استولى على الثورة ودفعها في الاتجاه المعاكس، وبين فلول النظام السابق الذين يدافعون عن آخر مواقعهم ومصالحهم.. لكنهم يدركون في قرارة أنفسهم أن زمنهم قد انتهى من دون رجعة.
لم تكن مصر تحلم أو تتوقع أكثر من تلك المواجهة التي يمكن أن تطحن الفريقين وتقلّص حجمهما معا، وتفسح المجال بانتظام الحياة السياسية المصرية على سوية طبيعية من دون تطرف إسلامي أو تمرد عسكري، استنزفا طاقة مصر والعالم العربي لعقود طويلة.
*نقلاً عن "السفير" اللبنانية