الأربعاء 08 جمادى الأولى 1434هـ - 20 مارس2013م
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الخميس 20 جمادى الأولى 1433هـ - 12 أبريل 2012م KSA 04:49 - GMT 01:49

حرب الكل ضد الكل

الخميس 20 جمادى الأولى 1433هـ - 12 أبريل 2012م
أمينة أبو شهاب
أمينة أبو شهاب

في النسخة الخاصة بالعرب من الديمقراطية، التي ثبت أنهم ليسوا هم المقررين لشأنها، يحدث أن تفقد المجتمعات السائرة إلى هذه الديمقراطية حالة المدنية والتمدن وهيئة المجتمع المتماسك، وتتحوّل إلى حالة ما قبل اجتماعية تشبه الغابة وقوانينها، حيث “الكل في حرب ضد الكل”، في كل قطاعات المجتمع الذي يكشف عن صورة مريعة من التنافر والتفكك والصراع العنيف، ونصل كذلك إلى الصورة نفسها في المستوى السياسي، حيث هو صورة من المجتمع الأهلي، وحيث الأخير أيضاً يرتبط في ما يعتمل فيه بما يجري في الجسم السياسي .

والسؤال البريء هو: لماذا تبدو هذه المرحلة في حياة البلدان العربية الماضية نحو الديمقراطية شرطاً ضرورياً لهذه الديمقراطية؟ ولماذا هي ديمقراطية التفكك والانقسام على الذات والعنف الذي يضرب المجتمع بقسوة ويروعه؟

وإذا فهمنا الخلخلة الهائلة والعميقة في النظام الاجتماعي والمدني التي حدثت في بلدان التغيير الديمقراطي “العنيف” بواسطة الحروب، كما حدث في العراق وبعده ليبيا، على أنها تعود إلى الحرب وآثارها المدمرة، فكيف نفهم وضع حرب الكل ضد الكل، وانقلاب المجتمع إلى شبه غابة في بلدان التغيير السلمي مثل مصر؟ تضيع تفاصيل ما يحدث في المجتمع المصري في “المرحلة الانتقالية” إلى الديمقراطية بين أحداث التطورات السياسية التي تستولي على انتباه المتابعين لما يجري على ساحات الربيع العربي . وإن التقاط هذه التفاصيل وربطها في صورة متكاملة تنذر بمجتمع غابة، كما يصفه بعض المهتمين المصريين، وتنذر بالتالي بخسران مجتمع متمدن عربي آخر على غرار خسران العرب للمجتمع العراقي الذي كان يرمز للحضارية العربية .

نقلت قناة مصرية خاصة وعلى مدى ساعات النهار، تطورات متلاحقة من اشتباكات شبابية ومعارك شوارع حامية الوطيس، كان سببها خلافاً بين شابين على “كازوزة”، أي زجاجة مشروب غازي، وتخبرنا هذه الحالة عن العنف الفردي والجماعي الذي ينفجر ويعربد في المجتمع من دون لجام أو ضوابط، حيث كثرت وبنسبة خطرة جرائم القتل والسرقة والاعتداء والخطف .

وإذا كانت المدنية تعني احترام القوانين لها، فإن القانون الوحيد في المجتمع المصري أصبح، بحسب خبراء الجريمة والأمن الاجتماعي، هو قانون أخذ الحق باليد، بما يعنيه من أحقية غير مشروعة للكسب، من خلال العنف والاستيلاء على أموال الآخرين من خلال تهديدهم . يقول الخبير الأمني الأشهر د .فؤاد علام، إن الكسب من خلال الفِدى قد أصبح ممارسة عريضة في المجتمع المصري في الفترة الأخيرة، حيث بدأت تلك الجرائم من خلال سرقة السيارات وإعادتها مقابل فِدى، لتتطور إلى اختطاف الأطفال من أمام مدارسهم وطلب فِدى عنهم . لا يأمن الأهل على أطفالهم خوفاً من الاختطاف، ولا أمان كذلك للفتيات اللواتي يختطفن ويغتصبن، ثم يعدن بفدية، وحتى الرجال يختطفون، وبواسطة نساء ومن أجل فدية، كما في حادثة المخرج صلاح الشرنوبي .

لقد وصل العنف في المجتمع المصري إلى ذلك المستوى الذي أصبح يحمل فيه طلاب العلم في الجامعات السلاح الأبيض حماية لأنفسهم . ومن علامات انزلاق المجتمع إلى وضع الفوضى الصراعية ما أصبح ظاهرة واضحة من عداء مؤسسات المجتمع لبعضها البعض وتحينها للاعتداء والاقتصاص، كما هي حالة بعض الأندية الرياضية ومناصريها، الأمر الذي استدعى إلغاء المباريات كلية .

مجتمع الأمن والأمان والسلام، كما في الوصف القرآني لمصر “ادخلوها بسلام آمنين”، هو مجتمع آخر مختلف، تتبدل ملامحه ويحدث فيه التقاتل والقتل لأبسط وأتفه الأسباب، ومن أجل الجنيه الواحد، والكازوزة، والكرة، والأخطر من ذلك أن المواجهة بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة وما يمثلها، أصبحت حدثاً معتاداً ويومياً، كما حدث في السلوم أمس، وإلى هذا الهرج والمرج الاجتماعي يضيف جو الانتخابات “الديمقراطية” مفاهيم التخوين والتكفير والتجييش الأيديولوجي الديني، حيث تسود هذه اللغة بقوة، وحيث تصفع كلمات وتعليقات التخوين متصفح المقروءات الإلكترونية المصرية .

فأي إرادة واختيار حر تملكها الأكثرية الصامتة في المجتمع، وهي تعاني انعدام الأمن وصعوبة المعيشة، وذلك في خياراتها السياسية؟ وهل تملك هذه الأكثرية حق المشاركة الديمقراطية في وضع محدد سلفاً، وفي وضع فيه السياسيون في واد آخر من الصراع المحتدم الذي يهدد بمستقبل يتم تجييش قوى من المجتمع فيه في صراعات جهنمية تخوضها القوى السياسية في ما بينها؟

يحدث الاحتراب الآخر الموازي لما يحدث في المجتمع الأهلي، في المستوى السياسي، وهو يتركز الآن حول المنصب الرئاسي والفوز به . عند هذا المنصب الذي يتحدد حسمه وحسم الشخص الذي يتبوؤه من الخارج أكثر من الداخل، كما أفهمنا الإخوان في رحلة وفدهم الأخيرة إلى واشنطن .

يأتي المشهد الأكثر عبثية، وهو تنافس عمر سليمان وخيرت الشاطر، وذلك بعد تصفية الآخرين . إن كونهما المتنافسين الرئيسيين لا يمكن أن يكون ناتجاً عن ثورة، بل هو نفي لحدوث ثورة، فالثورة لا تعيد إنتاج النظام القديم، ولا تعيد كذلك إنتاج معارضيه الرئيسيين في دورة صراع جديدة، وهو ما يحدث اليوم على الساحة المصرية . على وهم حدث الثورة صعد الإخوان إلى السلطة في مصر، وها هو “اللواء” يعود ليواجههم، كما كان سابقاً، وبرنامجهم الانتخابي هو تهديد مباشر لهم بفتح “الصناديق السوداء” كما قال . وتقابل هذه التهديدات تهديدات من خيرت الشاطر بالنزول إلى “الشارع” .

إنها ليست ديمقراطية بالمعنى المعروف، بل صراع محتدم على السلطة، يشترك فيه الإخوان والسلفيون ومناوئوهم، وحيث تتمثل بشكل واضح صورة “الكل ضد الكل” .



*نفلاً عن "الخليج" الاماراتية