الأربعاء 08 جمادى الأولى 1434هـ - 20 مارس2013م
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الخميس 20 جمادى الأولى 1433هـ - 12 أبريل 2012م KSA 13:21 - GMT 10:21

"في شق التعبان"!

الخميس 20 جمادى الأولى 1433هـ - 12 أبريل 2012م
محمود نافع
محمود نافع

جائزة المليار لمن يفهم شيئا في أي شيء يحدث في سياسة البلد الآن. أو لمن يبصر ويتكشف الطريق علي مسافة متر واحد ويقول لنا "مصر رايحة على فين؟".
هذا هو محور النقاش الدائر الآن ليل نهار في عموم بر مصر المحروسة.. الناس يضربون أخماسا في أسداس لا يدرون ماذا سيحدث غدا. ولا من أي أرض أو أرضية سيهبط عليهم الرئيس.

تتعدد الإجابات في كل جلسات النقاش والمعنى واحد: لن يضير مصر سلخها بعد ذبحها.. مصر في الاحتمالات المطروحة مذبوحة. فإما أن يخطف سفينتها التيار الإسلامي ويبحر بها عكس تيار الزمن. وإما أن يسرقها قراصنة الفلول إلى المجهول.
ولأنني واحد من الناس غير القادرين على التنبؤ لمصر ولو لمدة أسبوع. رحت أنخرط في النقاش وأتساءل عن هذا المصير المقلق الذي ينتظر السفينة في كلتا الحالتين.. جاءتني الإجابة في استنكار: هل نتوقع خيرا لسفينة تتقاذفها الأمواج وتربكها وتقلب كيانها ريح صرصر عاتية فيصاب الناس بداخلها على مختلف أشكالهم وألوان تياراتهم السياسية بالدوار ويصبحون كأنهم أعجاز نخل خاوية.

وبدأوا بشرح السيناريو الأول.. يذهب تحليل أصحاب هذا المنبر إلى أن الخاطفين سيسافرون بالسفينة إلى بحر الظلمات والقرون السحيقة.. نعم هناك بعض المستنيرين في الأسماء المطروحة مثل الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح ولكن هناك على الوجه الآخر آخرين لو تخيلت حال البلد معهم "مش هاتقدر تفتح عينك".
وانتبهوا وتذكروا معي هنا مقولة "أردوغان" التي تقول: "المسلم قد يخطئ ولكن الإسلام لا يخطئ أبدا" وهنا يقول أرسطو: "العلم يصاحبه الفضيلة والسياسة تصاحبها الرذيلة".

بمعنى أن العيب ليس في النظرية والمنهج وإنما في التطبيق. وهذا هو سر الخوف والقلق. لأن بعض المسلمين يفصل عباءة الدنيا علي مقاسه هو وتلك هي الطامة الكبرى.

أصحاب هذا الرأي لا ينطقون عن الهوى. وإنما هو وحي من واقع الأحداث.. وضربوا مثلا باللجنة التأسيسية. حيث راح الإخوان والسلفيون يستغلون أغلبيتهم البرلمانية لتفصيل آيات الدستور علي مقاسهم. فتصبح قماشته "بالورب" لتغطية مصالحهم. حتى ولو أدى هذا إلى تعرية التيارات الأخرى وكشف عورتها دون حتى الإبقاء على ورقة التوت.

لذا اجتمعوا وخططوا وفصلوا اللجنة التي ستفصل الدستور. وتقوم بتشطيب بطانته ورفي ذيله بطريقة "كريس كروس" أي ليس بالطريقة العادية وإنما بجعل الخياطة واحدة عكس الأخري. فيجيء التشطيب راقيا ولا يخر المياه. لكنهم مكروا ومكر الله. فسلط عليهم محكمة القضاء الإداري. التي أبطلت تأسيسيتهم. وجعلت عضويتها محظورة على نواب الشعب والشورى.

نصل إلى الخطر الآخر المحدق بالسفينة وهو سرقة الفلول لها.. وهنا يضرب الناس كفا بكف ويتساءلون في ذهول: لماذا قامت الثورة ضد مبارك إذا كنا سنأتي بعد هذا الوحم والمخاض وتلك الآلام بمبارك جديد. ويقصدون هنا عمر سليمان أقرب الأقربين - من وجهة نظرهم - إلى الرئيس المخلوع.

يقول البعض أننا بترشيح عمر سليمان وتجييش الجيوش من أجل نصرته فإننا نعود إلى المربع زيرو. ونكون قد أزحنا ألدو لكي نأتي بشاهين. ورجعنا إلى المربع زيرو.
يذهب آخرون إلى ما هو أبعد. ويقول إننا بذلك لم نرجع إلى المربع زيرو فقط بل عدنا بالسالب إلى الهوة السحيقة. فالمربع زيرو يقصد به المربع الذي كنا عليه قبل الثورة. وهنا سيكون السؤال: بالورقة والقلم والحساب. هل خسرنا كل تلك الخسائر الاقتصادية من انهيارات في البورصة والاحتياطي النقدي والانفلات الأمني والاجتماعي وكل الخسائر التي احتسبناها من أجل مصر ونجاح الثورة توابع للزلزال الذي هز عرش مبارك.. هل وبعد ان خسرنا كل تلك الخسائر نقوم بتصفير العداد ونقطة ومن أول السطر؟

الإجابة من وجهة نظري تقول: لماذا دفعنا الأكثر طالما كان بإمكاننا أن ندفع أقل.. بمعنى لماذا فجرنا ثورتنا ودفعنا مقابل نجاحها دم الشرايين ودم الاقتصاد وجفت في العروق الدماء رعبا وفزعا من غياب الأمن. طالما أننا سنقتلع مبارك لكي نزرع "مبارك" جديدا؟

وصل الأمر ان المصريين وكعادتهم من فرط صدمتهم وشر بليتهم ضحكوا. وقالوا في رسائلهم المتبادلة على الموبايل: "أول انتخابات رئاسية بعد الثوة يترشح لها نائب الرئيس ورئيس وزراء الرئيس ووزير خارجية الرئيس وصديق الرئيس وسفير الرئيس ويشرف عليها وزير دفاع الرئيس.. تحية للرئيس مبارك مفجر الثورة المصرية!

البعض الآخر يقول: المجلس العسكري يلعب مع الإخوان لعبة في غاية الذكاء.. مد لهم الحبل على اطلاقه لكي يخنقوا به أنفسهم.. حاولوا في البداية أن يلفوه على رقبة البلد. فانقلب السحر على الساحر وكشفوا عن نواياهم. حتى جعلوا الشعب الذي اختارهم بحسن نية يراجع حساباته.

نفس نظرية الحصان والعمدة.. حين ذهب إليه أحد الفلاحين عنده يشكو ضيق حجرته وسوء تهويتها ويطمع في حجرة أكبر تسعه هو وأولاده.. وعده العمدة بأنه سيحل له المشكلة.. فوجيء الفلاح بأنه أرسل له حصانا يقيم معه في ذات الحجرة. وفي اليوم التالي حصانا آخر حتى بلغت الأحصنة خمسة واختنق الفلاح.

هنا أصبح همه الأكبر رحيل الأحصنة وليس توسيع الحجرة. فبدأ يذهب إلى العمدة ويقبل يده وقدميه لكي يرفع غضبه عنه ويأخذ الأحصنة لتعود له حجرته الضيقة فيفرح بها هو وأولاده.

والمعنى في بطن الزير.. فالشعب أمام خيارين لا ثالث لهما: "مبارك أو مبارك"؟!
هناك تحليل أوقع يقول: من غير المنطقي أن يقوم المجلس العسكري الذي ائتمناه على البلاد ومصالح العباد بتسليم مصر تسليم مفتاح إلى مبارك والذين معه.. وإنما يقوم بلعبة أذكى.. سيترك عمر سليمان تتقاذفه منصة الصواريخ من كل حدب وصوب حتى لا يكون قد بقي في حلبة السباق سوى عمرو موسى ويراهن عليه. فيكون بذلك قد لاعب الإخوان بلعبهم. وضرب الفلول بنفس سيفهم. وينتصر في النهاية بمنطق الصبر والنفس الطويل مطبقا نظرية عنترة بن شداد حين سأله رجل: "ابن شداد كيف تنتصر على الأعداء وتتغلب على الخصوم؟ قال: ضع أصبعك في فمي. وخذ أصبعي في فمك. فوضعها في فم عنترة. ووضع عنترة أصبعه في فم الرجل. وكل عض أصبع صاحبه. فصاح الرجل من الألم ولم يصبر. فأخرج له عنترة أصبعه وقال: بهذا غلبت الرجال.. أي بالصبر والاحتمال".

هنا أقول لا يهمنا الآن أصابع من في فم الآخر. الأهم ألا يضطر الشعب الذي بنى كل آماله وأحلامه على نجاح ثورته أن يضع كل أصابعه في "شق التعبان".

*نقلاً عن صحيفة "الجمهورية" المصرية