الجميع يترقّب جلسات المناقشة النيابية المقبلة في لبنان، لمعرفة مدى تأثيرها في الوضع الحكومي، ولا سيّما أنها ستُنقَل مباشرةً على الهواء - قبل أشهر من بدء حملة الانتخابات النيابية عام 2013 - ما يجعل مداخلات النواب غزيرة وعالية النبرة لكن وبالتأكيد منخفضة المفعول، نتيجة انحسار القدرة الفعلية على اسقاط الحكومة في المجلس، للأسباب والمعطيات المحليّة والإقليميّة المعروفة.
وفي الانتظار، يستمر رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي متنقلاً ما بين "النيران الصديقة" و"النيران المعادية"، ساعياً إلى تأمين الاستقرار النسبي، وتفادي الأسوأ، والحدّ من الخسائر... ضمن تشكيلة حكومية، أظهرت الأيام والأحداث، أنها لا تُضيف الكثير إلى قدرات رئيسها، بل تُظهر صورة الفريق غير المتجانس، المتمتّع بـ "حارس مرمى" قادر، لكن في ظل تَراجُع عدد "الهدّافين" و"المدافعين"، وانتفاء قدرتهم على التسجيل، وتحقيق الإنجازات، وتقليص الفارق في الأهداف، وفق "خطة لعب" واضحة.
المشكلة اليوم أن اللبنانيين اختبروا، على مرّ السنين، مروحة واسعة من السياسيين، في الحُكم والمعارضة، وسمعوا شعاراتهم، واستمتعوا بمشاهدتهم على الشاشات وهم يُشخّصون الأمراض من دون العلاجات... ليكتشفوا، في أغلب الأحيان، أن النتيجة واحدة! لذا، لا بدّ من دقّ ناقوس الخطر، لأن المسألة لم تعُد مرتبطة حصراً بهوية الفريق الحاكم والمعارِض، أو بالفائز والخاسر في الانتخابات، أو بنوعية التحالفات المحلية والامتدادات الإقليمية...
بل أصبحت مسألة بُنيوية، تتعلّق بعلّة وجود الدولة، وهيبتها، وهرميتها، ودورها، وأداء مؤسساتها وأجهزتها، وكذلك بمفهوم الشأن العام، والخير العام، والمال العام... وبمدى قدرة المرجعيات والمؤسسات الدستورية على الحُكم، وممارسة الصلاحيات، وبسط السيادة، وترسيم الحدود وضبطها، وفرض حصرية السلاح، والقيام بالإصلاحات، ومعالجة الديون المتراكمة، ومكافحة الفساد والرشاوى والعمولات، وإجراء التعيينات من دون محاصصة، وحلّ الملفّات الشائكة والمزمنة، وتوفير الخدمات للمواطنين... وأخيراً، مواكبة العصر ومواجهة التحديات المستقبلية.
إن الدعوة موصولة لتأليف حكومة اختصاصيين مُصغّرة، من 14 أو 16 وزيراً، من غير المرشّحين للانتخابات والحزبيين الملتزِمين وأصحاب الملفّات... تَضُم فريق عمل متجانساً، متمتِّعاً بالعلم والكفاية والنزاهة والرؤية والشجاعة، وبـ "حارس مرمى" و"هدّافين" قادرين على إحداث الفرق، وإبعاد البلد من جولة جديدة من المزايدات الانتخابية والخيبات الوطنية... حكومة تضع في أولويّاتها هدف إجراء الانتخابات، الحرّة والنزيهة، في موعدها، بموازاة إصلاح جسم الدولة القضائي والإداري والتنظيمي والرقابي والمالي والعسكر - الأمني... حكومة تبدأ معها عملية استعادة الهيبة، واستنهاض الدور، وردم الهوّة التي تزداد اتساعاً بين الدولة والمواطن.
* نقلاً عن صحيفة "النهار" اللبنانية