ممثلو خمس حركات إسلامية من خمس دول عربية، بينها «الإخوان المسلمون» في مصر و «النهضة» في تونس زاروا الولايات المتحدة بدعوة من مؤسسة كارينغي للمشاركة في مؤتمر «الإسلاميون في السلطة: آراء من الداخل». استغل البيت الأبيض وجود «الإخوان» في هذا المؤتمر وعقد لقاءات معهم لمزيد من فهم توجهاتهم، بعدما أصبح بعضهم في الحكم، ويستعد آخرون لتولي السلطة.
لقاءات هذا الوفد المعلنة في واشنطن ليست الأولى ولن تكون الأخيرة. سبقتها لقاءات سرية، خلال السنوات الماضية، تكثفت مع انطلاق «الربيع العربي»، وبعد سقوط حليفي الولايات المتحدة في تونس ومصر، أي بعدما انتفى الحرج من الحليفين وبعد التأكد من أن «الإخوان» واصلون إلى السلطة عبر صناديق الإقتراع ولا بد من محاولة المحافظة على التحالف عبرهم، خصوصاً أن الحليف الأوثق اي تركيا يضمن توجهاتهم في السياسة الخارجية، ويخوض بالتعاون معهم معركة كبيرة في الشرق الأوسط لتثبيت دعائم حكمهم في مواجهة إيران وحلفائها.
الواقع أن الإدارة الأميركية تنطلق في سياستها من قناعة أن علاقاتها الخارجية، اي مصالحها، لن تتقدم إذا استمرت في حروبها، وهي تلاحظ تأثير الدين أكثر فأكثر في كل انحاء العالم، بما في ذلك الشرق الأوسط وأوروبا. وهو يمكن أن يكون «أداة للتقدم»، عكس الشائع فـ «الحداثة لا تعني العلمانية»، على ما كتب أندرو بريستون (فورين أفيرز).
وعلى رغم أن هذه النظرة إلى التطور السياسي والإجتماعي لا تأخذ في الاعتبار التطور داخل الدين ذاته، مثلما حصل في أوروبا في القرنين الثامن والتاسع عشر، إلا أن هذا هو الواقع بالنسبة إلى الإدارات المتعاقبة. بوش الإبن، مثلاً، كان يعتمد على الغيب وعلى الترسانة الهائلة لنشر القيم الأميركية في العالم، أي لتأمين مصالح الإمبراطورية الجديدة. وهذا ما فعله قبله الرئيس رونالد ريغان الذي كان يبدو نسخة من أبطال التوراة. أما أوباما وهو المؤمن بأن الثقافة الأميركية، والغربية عموماً، نتاج «الحضارة اليهودية - المسيحية»، وأن هذه الحضارة أوصلت الثقافة الغربية إلى ما هي عليه الآن، فنظرته إلى السياسة لا تختلف عن نظرة سابقيه. إلا انه أضاف إليهما السعي إلى نشر هذه القيم بطرق سلمية إذا أمكن. من هنا شدد في خطابيه الشهيرين في القاهرة واسطنبول على ضرورة إيجاد مساحة للحوار بين الديانات التوحيدية الثلاث. ومن هنا توجهه وإدارته إلى الحوار مع «الإخوان» باعتبارهم النسخة المعاصرة من المسلمين وهم «الأعداء التقليديون للحضارة اليهودية المسيحية».
وتعتمد الولايات المتحدة في مقاربتها «الدينية» هذه على تجربتها في الإتحاد السوفياتي السابق وفي أوروبا الشرقية، خصوصاً في بولندا، حيث لعب البابا يوحنا بولس الثاني دوراً كبيراً في نشر «الروح الثورية»، ما عجل في سقوط الأنظمة الشيوعية.
واشنطن اليوم أمام أمر واقع. أصدقاؤها سقطوا بقوة التطور التاريخي، وبتحالف العلمانيين والليبيراليين والأحزاب القومية. لكن «الإخوان» الذين التحقوا بالثورة متأخرين، مثلما حصل في مصر، هم الذين وصلوا إلى السلطة، لذا تعود إلى إيمانها لتجدد تحالفها على أسس سياسية - دينية.
*نقلاً عن "الحياة" اللندنية