فجأة وبدون مقدمات رتبت شؤون الرئاسة لأحمدي نجاد زيارة مباغتة لبعض مناطق الساحل الغربي في إيران، وفجأة وجدناه يحط رحاله في أرض إماراتية صرفة “جزيرة بوموسى” وفجأة أعلنوا هناك في طهران أن الزيارة طبيعية جدا، لأراض إيرانية، وعليه فهي شأن داخلي صرف لا يحتمل أي احتجاج وبالتالي، هذا ما كان من زيارة نجاد يوم الأربعاء الماضي لجزيرة بوموسى الإماراتية، التي ترفض إيران باستمرار أي مشروع لحل المسألة المتعلق بالسيادة عليها.
بعيداً عن كلام السياسة، فإن حكومة نجاد أمام عدة مآزق: أولاً: مأزقها الكبير في الداخل وصراعها مع التيارات الإصلاحية ونقمة الشارع الإيراني إزاء الإجراءات التعسفية التي اتخذت ضد رموز تيار الإصلاح المناهض لسياسات نجاد وحكم الملالي في طهران، وثانياً: فإن طهران تعاني اختناقا في صراعها مع الولايات المتحدة الاميركية والغرب، فيما يخص برنامجها النووي، الأمر الذي تحول الى صراع معلن يعبر عنه الغرب بإعلانه المستمر من أن ضربة على إيران من قبل قوات الولايات المتحدة أو اسرائيل باتت قاب قوسين أو أدنى.
أما ثالثاً فالأمر يتعلق بمأزق آخر تجد طهران نفسها واقعة فيه حيث يتهاوى مشروعها في لبنان على يد حزب الله الذي سقطت ورقته تماما، جراء مواقفه المستفزة من الموقف في سوريا ومواقف نظام الأسد التي وجدت عند أمين عام حزب الله تبريرا ودفاعا مستميتا قلب فيه الحقائق رأسا على عقب لأنه لا يستطيع سوى ذلك، حفاظا على رأسه ورأس الحزب.
إذن فمشروع الممانعة والمقاومة التي تجسدت لسنوات طويلة في حزب الله ونظام بشار الأسد تحت مظلة المرشد العام للثورة الإيرانية قد سقط نهائيا بعد الثورة السورية وبعد مواقف حزب الله المؤيدة لنظام دمشق، والتي كشفت عن طائفية بغيضة لم يستسغها حتى أكثر الذين ناصروا مواقف الحزب في مواقفه تجاه إسرائيل، وعليه فإن وضع حكومة نجاد صعب جدا، وليس أمامه سوى حل واحد وأخير وهو حل محكوم بالفشل رغم ذلك.
الحل هو ما فعله أحمدي نجاد: الهروب الى الأمام، اختلاق موقف وتصعيد مشكلة مع الإمارات ليتم تحفيز الرأي العام الداخلي وجعله يلتف حول الحكومة والرئيس، الذي يدافع عن ممتلكات الدولة ويتصدى “للأعداء” أيا كان هؤلاء الأعداء، إذن فنجاد سياسيا ولد وهما بحسابات الأجندات الوطنية الداخلية، منح الشعب شعورا مكثفا بالخطر القادم من الجيران من جهة ومن خلف البحار من جهة وأن الحل هو بالالتفاف معاً ونسيان الخلافات، فهذا زمن الوطن .. هذه هي رسالته للإيرانيين داخلياً، والأهم أنه غير مبال وغير مهتم لكل الذي يحدث قريبا من سواحله.
وعبر المحيطات أراد لزيارته المستفزة أن توصل رسالة صادمة ولا لبس فيها لعواصم القرار العسكري التي تخطط ربما لضرب بلاده، والرسالة هي انه هنا في الجزر التي تتوسط المسافة بين الساحل الإيراني المزمع ضربه وعواصم الخليج التي تموج باستثمارات ومصالح غربية والتي لن يتوانى عن تنفيذ مخطط علي وعلى أعدائي إذا لزم الأمر، الرسالة إذن انه لايزال في يد طهران أوراق رابحة والجزر الإماراتية المحتلة أهمها.
يعلم نجاد انه يلعب بالنار، وان الحرب إذا اشتعلت فإنه سيكون الخاسر الأكبر، والإمارات تبقى جارا تربطها بطهران مصالح وتاريخ من حسن الجوار وتفضيل الخيار السلمي دوماً، وأنها احتجت على الزيارة كحق مشروع وكان على إيران أن تستجيب وتتعامل معه دبلوماسيا بما يليق بالإمارات وبحقها وبمنهجها السلمي والمتزن.
لا أحد يريد اشتعال المنطقة، وحدهم الذين يهربون للأمام يتركون الحرائق خلفهم لينجوا بأنفسهم، فهل ينجون؟
* نقلاً عن "الاتحاد" الإماراتية