عندما أفكر في احتمالية أن يكون عمر سليمان كان هو القائد الحقيقي للمشهد العبثي الذي مرت به مصر خلال العام الماضي أو أتأمل دخوله الساذج إلى الساحة السياسية مجددا، يزداد يقيني أن هذا الرجل كان السبب الحقيقي في نجاح ثورتنا بنصائحه الغبية لمبارك، وهو بوقوفه وراء المجلس العسكري قادر أن يغرقه أيضا ويغرق معه كل تلك الوجوه التي كشفت حقيقة مواقفها، ويملؤني شعور هائل بالطمأنينة أن النصر سيكون حليف هذه الثورة بما يملكه سليمان من قدرات التدمير الذاتي لنفسه ولمن حوله.
على مدى سنوات، رسم سليمان لنفسه صورة رجل مخابرات مهيب من طراز "أدهم صبري" بطل سلسلة رجل المستحيل، بذلك الصمت الدائم والوجه النحاسي الصارم الذي لا يفلت انفعالا، والاستناد إلى تاريخ نضالي وطني لجهاز يكن المصريون له حبا خاصا منذ أن كان يلعب دورا في مقاومة العدو الإسرائيلي. ولكن هل كان أهلا لذلك؟
الواقع أنه لا يملك من صفات رجل المخابرات إلا الشكل على ما يبدو، تماما مثل كل شيء في عهد المخلوع، ولذلك لم يكن عجيبا أن تكون النتيجة هي صفر في كل الملفات التي أدارها بداية بالقضية الفلسطينية التي تعقدت والنزاع بين فتح وحماس الذي بلغ مداه، وتحول مخابراتنا إلى فرع معاون للموساد الإسرائيلي، ينفذ خططها في بناء جدران عازلة لحصار غزة.
وفي أفريقيا فجر الرجل علاقاتنا بدول حوض النيل واضعا مصر على حافة العطش والجفاف المائي، ومسهلا لإسرائيل التوغل في تلك الدول على حساب مصالحنا.. وترك السودان الذي كان يعالج ملفه منقسما إلى دولتين ضاربا مصالحنا فيه فضلا عن مصالح أشقائنا في الجنوب. وأخرجنا مهينين من السوق الإفريقية البكر التي كنا نملك فيها حضورا تاريخيا منذ عهد عبد الناصر.
عربيا أيضا، تراجع دورنا وتقزمنا، وشرق أوسطيا لم نفلح في مواجهة خطر المشروع الفارسي المتمدد من إيران إلى العراق إلى لبنان إلى سوريا دون أن تقدم مخابراتنا العتيدة وصفة واحدة سليمة تجعلنا نخطو خطوة للإمام في أي من هذه الأماكن.
ومصريا، أدار الرجل الأيام الأخيرة في حكم مبارك بسذاجة متناهية، بدءا من حواراته مع القوى المختلفة، إلى تصريحاته التلفزيونية إلى نصائحه للرئيس، إلى قرارات كارثية تم اتخاذها على الأرض مثل موقعة الجمل وقطع الإنترنت.
الخلاصة أن الشي الوحيد الذي تحمله السيرة الذاتية للرجل كانت عمله كمقاول تعذيب من الباطن لصالح دول كبرى، وبجاحة صفيقة في تأليف روايات غير محبوكة لمؤامرات وخطط ملء بها عقل مبارك حتى أسقطه وأودى به إلى السجن.. كان سليمان سببا مباشرا إذن في نجاح الثورة الأولى، فأنت لا تنتصر بذكائك وإصرارك فحسب بل تنتصر بغباء خصمك.
واليوم يسعى الرجل مجددا ليبدأ من حيث انتهى دون تغيير في الأسلوب أو تقييم لأسباب فشله السابق، وهذا في حد ذاته يجعله خصما يسهل التغلب عليه.
خطته هي هي: أثر الذعر بين الناس واصنع فزاعة تحملها الأخطاء وتتهمها بمؤامرات لا تحدث حتى في أفلام الكرتون، فإذا خاف الناس سكتوا وتركوك تصنع ما تشاء.. ولكن ما لا يعرفه هو أن جيلا جديدا من المصريين يملأ الشوارع الآن أصبح يرفض الفزاعات ويقاومها -حتى وإن استسلم لها حزب الكنبة- وهؤلاء رغم عداوة بعضهم للإسلاميين إلا أن عداوتهم للتفزيع والقهر أكبر، ولو كان حقا ضابط مخابرات حصيفا، لعلم أنه هو، وهو تحديدا، أبرز الوجوه التي ينبغي أن تظل بعيدة عن الساحة وإلى الأبد، وليجد النظام السابق وجها جديدا غير محمل بمرارات الماضي يعود من خلاله.
يقول الناس إن في ثورتنا "شيء لله" وأظن أن هذا صحيح، فقد أرسل الله لنا عمر سليمان مرة أخرى ليقودنا إلى الميدان مجددا ويقنع الجميع أنهم "ما يستغنوش عن بعض" وأن المعركة لم تنته بعد، وأن سلاح الوحدة فيما بينهم كان أكبر ما يملكون لإسقاط الأنظمة العتيدة، أرسل الله لنا أيضا حكما –مثيرا للجدل- من القضاء الإداري بتجميد الجمعية التأسيسية للدستور، ولكنه رغم ذلك أطلق رصاصة الرحمة على تلك الجمعية المأزومة وأعطى فرصة لبداية جديدة قوامها التوافق.
أمامنا فرصة لنعود "معا" إلى الميدان، وننسى إلى حين خلافاتنا لنستأنف الثورة ضد الضباع العائدين، ونكتب من الميدان دستورا جديدا لا يستعلي فيه أحد على أحد ويمثل ضعفاء مصر قبل أقويائها وأقلياتها قبل أغلبيتها، التوافق كان سبيل النصر على مبارك وهو سبيل النصر على فلوله، وهو سبيل الوصول إلى دستور قابل للحياة وتأسيس جمهورية جديدة، فهل نحن مستعدون لتقديم تنازلات "مؤلمة" في سبيل ذلك التوافق؟؟
نقلاً عن "الحرية والعدالة" المصرية.