على خطى ميخائيل غورباتشوف آخر زعيم للاتحاد السوفييتي، يبدو المستشار مصطفى عبدالجليل أمام خيارات محدودة للغاية قد تجعل منه آخر زعيم لليبيا التي نعرفها، وذلك أمر لم يكن وارداً في ذهن المستشار عبدالجليل أو ضميره، حين نبذ موقعه الوزاري المريح إلى جانب العقيد القذافي واختار مخاطرة الثورة إلى جانب أبناء شعبه.
للثورات منطقها المختلف عن نوايا قادتها وروادها، منطق يخضع كثيراً لكلمة ونزعات الجماهير الخارجة تواً من "قمقم" القمع والاضطهاد الطويل، وغالبا ما يتفوق "الطبع" على "التطبع"، بل ينتصر عليه، فمثلا عاش الشعب الروسي تحت الهيمنة المطلقة للشيوعية لاكثر من سبعين عاما، وبمجرد زوال السلطة المطلقة في تلك البلاد عاد المسلم مسلما والمسيحي مسيحيا، وبقي الملحد ملحدا، وتكرر ذلك في كل مكان.
للجماهير أيضاً منطقها الخاص، فالنخبة تسير الأمور دوما وتواجه أخطارها وتدفع أثمانا فادحة، كل ذلك قبل أن تقبل الجموع الانخراط في العملية الثورية وتندفع، لكن ذلك الاندفاع يغير كل قواعد اللعبة، بما في ذلك قدرة وقابلية القيادة التحكم بحركة وتوجهات الكتل الجماهيرية العملاقة، فهي تتحرك نحو أهدافها الثورية، لكنها غالبا تفعل ذلك وفقا لغرائزها ونوازعها البشرية، والثورة الليبية ليست استثناء عن تلك القواعد إن لم تكن تأكيدا قاطعا لها.
التاريخ الليبي يخرج غدا من "تجميد" دام ستة عقود من الزمن ليستانف نفسه من حيث توقف الجدل آنذاك، فمدينة "البيضا" الواقعة شرق بنغازي، والتي كانت المهد الفعلي لثورة فبراير، تحتضن غداً المؤتمر الأول للتيار الوطني الليبي "التيار الفيدرالي"، وهو أكبر وأوسع تجمع قبلي وسياسي ناشئ بعد سقوط "جماهيرية" العقيد، وهو مؤتمر يبحث في استعادة هوية قديمة بديلا ورفضا للهوية القائمة.
ليبيا والشعب الليبي، وربما العالم كله على موعد إذن مع لحظة مثيرة للغاية، وإعلان منتظر يعبر، وفقا لرواد الخيار "الفيدرالي" عن ميل ودعم جماهيري جارف في الشرق لإحياء الدستور المؤسس للمملكة أو مخرج قريب من ذلك الدستور، وتمهيد الطريق لانبعاث "برقة"، أقدم كيان ليبي معروف قبل قيام الدولة الليبية في ستينات القرن الماضي، و هي لحظة إيذان بانتهاء مرحلة وبداية مرحلة جديدة بعد أن زالت "جماهيرية" الأوهام القديمة وأخلت الطريق لخيارات عديدة لدولة أو دول "الأحلام" الجديدة.
الثورة الليبية أنتجت جيلا يعود إلى حنين وأحلام الآباء ولبعث القديم بصورة استثنائية، بعد خمسة عقود من التغيب القهري لكيانات "وطنية" كانت قائمة، ثم دمجت نهايات عهد آخر ملك ليبي "إدريس السنوسي"، وكل مرحلة العقيد الراحل "معمر القذافي"، فيما عرفته أجيالنا بالمملكة الليبية، ثم جمهورية، قبل أن تنتهي إلى "جماهيرية" العقيد التي انهارت بصورة مأساوية لأسرة القذافي الحاكمة، تحت وطأة ضربات ثورة 17 فبراير المدعومة من المجتمع الدولي، ومن دول وجيوش الناتو تحديدا.
وحقيقة الأمر أنها روح "برقة" الناهضة من أجل استعادة استقلالها، لتضع الجميع على مفترق طريق تاريخي، فبدون تلك الدولة-الإمارة التاريخية أو بانفصالها، لن يكون هناك وجود لدولة اسمها ليبيا كما عرفناها، إلا من خلال اتحاد فيدرالي، ورواد أحياء وبعث "برقة" يعتقدون أن مؤتمرهم يحظى بدعم الأغلبية الساحقة من السكان القاطنين شرق مدينة "سرت".
ويذهب البعض أبعد من ذلك بتأكيد أن مدينة العقيد الراحل "سرت" وقبائلها مصممة على الانضمام إلى هذا الخيار الفيدرالي، مما يحرك حدود دعمها إلى غربي "سرت"، بل يذهبون إلى أبعد من ذلك بالتأكيد أن خيار "الفيدرالية" يكتسح الشارع الليبي، ودلالة ذلك أن قائد هذا التيار الناشط "زياد دغيل" ينحدر من مدينة "مصراتة"، أشهر وأكثر مدينة قاومت نظام العقيد إبان ثورة فبراير .
المقاومة الفعلية لهذا الخيار تنبعث من الشرق أيضاً، من المجلس الانتقالي الليبي بقيادة المستشار مصطفى عبدالجليل الذي ينحدر من مدينة "البيضا"، مقر المؤتمر ومهد خيار الفيدرالية، وتعارض أيضاً حركة الإخوان المسلمين، وكذلك تياري الدكتور محمود جبريل والدكتور علي الصلابي ذلك الخيار لمصلحة ليبيا الحالية، وفي غياب مقياس واقعي لمدى شعبية أي من الخيارين يميل نشطاء المؤتمر إلى الإعلان عن استفتاء عام حول الخيارات القادمة.
وبعيدا عن أية توقعات متسرعة حول الخيار القادم للشعب الليبي، أو لأية جهة ستميل كفة الميزان الشعبي مستقبلا، فإن المؤكد الوحيد أمامنا أن الليبيين لم يعودوا موحدين في نظرتهم للنظام السياسي المنتظر إثر سقوط النظام القديم، كما أنهم ليسوا موحدين وراء نموذج دولة واحدة، وقد نشهد مرحلة صعبة من الجدل الصاخب حول الدولة الموحدة والدولة الاتحادية، مع رجاء يحذو الجميع أن يبقى الجدل جدلا، وأن يكون الاتفاق بالتراضي، فلم يعد في وسع أبناء هذا البلد نزف المزيد من الدماء.