لاحت في الأفق تباشير يوم منتظر بعد أن أوعز ملك الموت بالنظر في روح أمة عشقت الحياة والتألق في أفق المدنية وقد لقي ذاك الشعب تطلعه حين عثر بصره على ابنها البار ذو الـ 45 عامً طائرً ظافرً وقد انضوى تحت جناحيه حب الوطن والعلم ودولة القانون .نيجرفان برزاني... رئيس أول حكومة شرعية ولدت من رحم أمة عتيدة.
شعب كردستان الذي أوشك أن يغوص في أحابيل الخيبة بعد خمول تلك الوتيرة المتصاعدة من التقدم والتطور التي شهدها الإقليم لأول مرة منذ مايقارب ربع قرن مضى.
مراحل عديدة مر بها الإقليم ابتداء من رزوحه تحت وطأة الحكم الشمولي في العراق وسيطرة الدكتاتورية على السياسة والاقتصاد اللذين يتوازيان ولايفترقان.
متاهة اللامنتهي في نظام البعث بين الأسس الاشتراكية المزعومة والمطبقة وفقاً لشريعة العائلة الحاكمة المالكة وبين الرأسمالية المطلوبة فقط لإشباع رغبة تلك الأنظمة في الاستحواذ على أكبر كمية ممكنة من الأموال المنهوبة من الشعب المسكين، السياسة التي أتت بظلالها على إقليم كردستان إبان حكم الأنظمة السابقة وحتى بعد التخلص منها، فقد بقيت تداعياتها تداعب العقل الكردي بعيداً عن أهواء وجدانه ومشيئته.
فنظام التأميم للمنشآت والشركات والمرافق الحيوية وضمها في كنف الحكومة وسيطرة القطاع العام على حركة التجارة ونبض الاقتصاد الحر، أمور مجتمعة أفضت بالعراق الى هاوية الرغد حين فقد الشعب كل معان الحرية في العمل وطريقة كسبه للقمة العيش. نظم الإدارة المركزية والسوق المغلق وإهمال القطاع الخاص ونبذ الخصخصة جعلت اقتصاد العراق يبرق تحت سراب العمالة وتسلم الراتب آخر المطاف دون النظر في مستقبل أمة خلقت لتكون الرائدة في عالم الاقتصاد بما حباها الله به من كنوز مدفونة تحت خبايا الأرض وموارد طبيعية تعتاش عليها ربع الكرة الأرضية.
وأما بعد التحرر السياسي الذي شهده إقليم كردستان أواخر القرن الماضي، فقد بدأت القوى السياسية الكردية تتجة نحو إحداث تغيرات جذرية في مسار العمل السياسي والاقتصادي، وفي سياق هذه التغيرات، بناء المجتمع المدني والتعايش السلمي والسلام في كردستان وتقوية الاقتصاد وتنمية القدرات البشرية ولا يفوتنا هنا أن نستذكر دور القادة في الريادة، ففي عودة نيجرفان برزاني الى سدة الحكم بعد غياب عامين كان لهما. الأثر الواضح في تباطؤ نمو الاقتصاد المحلي على الصعد العراقية والإقليمية أيضا، فبعودة رائد الثورة الاقتصادية، استكملت مرافق الديمقراطية السياسية والاقتصادية من خلال الإنجازات التي حققها السيد نيجرفان والمتمثلة في:
1- التوجه نحو خصخصة البلاد ودعم القطاع الخاص ورفده بالإمكانيات المادية المتاحة واستحداث قانون الاستثمار الحر وانفتاح الإقليم اقتصادياً على العالم من خلال تعزيز حركة التجارة الخارجية وفتح المعابر الحدودية التي تأتي بالنفع على مجمل الدولة العراقية.
2- اعتماد مذهب اللافرق بين عربي وأعجمي إلا بالعمل لصالح المجتمع، فقانون الاستثمار يعتمد على الأخذ بنظر الاعتبار مبدأ الحداثة في علوم الاقتصاد وتخطي حاجز الأعراق للنهوض بالواقع الاقتصادي للإقليم حيث يعامل العربي والأجنبي معاملة العراقي حقوقاً وواجبات.
3- اعتماد الشفافية في أجندة الحكومة كونها الحكومة التي أتت وليدة مخاض عسير أرهقت جسد الأمة في ولادتها. فصوت المواطن يعلو على المنابر الرئاسية التي أوجدت لتكون خادمة للشعب لا حاكمة عليها فعند نيجرفان تجد (أن سيد القوم خادمهم.....).
4- الاستفادة من الموارد الطبيعية والمدفونة تحت الأرض بما فيها النفط والغاز .حيث أبرم في عهده العديد من العقود النفطية التي بموجبها أصبحت كردستان إحدى أهم ركائز الاقتصاد في الشرق الأوسط بعد أن أسهمت هذه العملية في دفع عجلة الاقتصاد العراقي الى الأمام ابتداء، من زاخو وانتهاء بالفاو.
5- تأسيس نظام مصرفي حر ومعتمد كلياً على القطاع الخاص في استحداثه وتمويله وإدارته، وهي نقطة البداية لمرحلة الإصلاح والاقتصاد وخطوة على طريق الحرية من قيود الأجندات المستوردة والمخاوف المستقبلية على أمن المنطقة السياسي والاقتصادي على حد سواء.
6- تحويل تنموي للاقتصادين الزراعي والصناعي بعد الدمار الذي لحق القطاعين المذكورين إبان جرف الآلية العسكرية العراقية للبنى التحتية الزراعية وبالتالي الصناعية في كردستان أثناء حملات القصف الكيمياوي للقرى والقصبات الكردستانية.
7- الاستثمار في العقول الواعدة للوطن، حيث أنشأ العديد من المدارس ذات المناهج الدولية التي تعتمد في دراستها على آخر مستجدات العلم وكذلك إنشاء برامج تنمية العقول الشابة من خلال البعثات الدراسية لذوي الإمكانيات العلمية والأدبية لطلبة الجامعات والدراسات العليا وإبرام العديد من العقود الدراسية في الجامعات الأمريكية والأوروبية والعربية والروسية والآسيوية لتضمن لكل طالب حق الدراسة باللغه التي يجيدها أو يجدها ضمانا لمستقبله المهني. بالإضافة الى استحداث برامج إنماء مهنية لموظفي الدولة للترقي بالمستوى الإداري في حكم البلاد.
8- استتباب الأمن الفكري من خلال إيجاد أرضية مناسبة لحرية الرأي والتعبير. ففي الأنظمة الديمقراطية يتنازع المجتمع في الآراء على أساس من الاحترام المتبادل وعدم فرض الرأي بالقوة وافتراض حسن النوايا بين المواطنين بغض النظر عن الاختلافات الحزبية والمذهبية والعقائدية.
وهي الأسس التي أشاعها نيجرفان برزاني بين صفوف المواطنين كوسيلة للحفاظ على ديمومة معنى الديمقراطية بمفاهيمها الحقيقية، تلك الديمقراطية التي راح ضحيتها مئات الآلاف من ابناء الشعب الكردي.
اذن، نستطيع ان نقول إن تجربة نيجرفان برزاني في إدارة حكومة اقليم كردستان الحديثة العهد على تجربة الادارة وحكم البلاد، تجربة جديدة بالتأمل والدراسة، اذ نجح الرجل عبرها في عقد تناغم ناجح ومثمر بين السلطة والشعب، بين التاريخ والمستقبل، بين الحقوق والواجبات وأخيرا.. بين الحق ككلمة سهلة النطق ممتنعة الفعل.. وبين إحقاقها.
ففي كل أمة يولد طفل وينضج صبي ليرتقي في المستقبل الى رجل يصنع التاريخ ويمكث في وجدان اجيالها. فطلعت حرب في أم الدنيا، والشيخ محمد بن راشد ال مكتوم في دبي النهضة، ونيجرفان برزاني صانعا للاقتصاد وصائدا لمجد كردستان الأزلي.