مشهد متضارب ومرتبك....يقذفنا كل يوم بمفاجأة جديدة.. ربما كان آخرها ما نسب إلى المشير طنطاوي أثناء اجتماعه أمس برؤساء 15 حزبا مصريا وبعض ممثلي القوى السياسية المختلفة من أنه لا انتخابات للرئاسة قبل صياغة الدستور.. وهو ما أربك الكثيرين ليفاجئنا اليوم اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس العسكري بأن الانتخابات في موعدها حتى ولو تأخر الدستور..
وبين التصريحين كان هناك هجوم عنيف من وسائل الإعلام ونشطاء سياسيين هددوا بالنزول للميدان ردا على ما اعتبروه تراجعا عن تعهدات العسكري بتسليم السلطة نهاية يونيو القادم!! وأنه يبطن رغبته في البقاء في السلطة!
وكذلك في مشهد الرئاسة.. الذي خرج من سباقه على ما يبدو الأكثر سرعة وبروزا فيه.. موازين تنقلب كل يوم.. مرشح إسلامي قوي ك حازم أبو إسماعيل يستبعد نهائيا بسبب جنسية والدته التي ثبت لدى لجنة الرئاسة أنها أمريكية بينما يصر المرشح على عدم ثبوت ذلك مشككا في رسمية وثائقها وحجيتها!
ومرشح آخر ك عمر سليمان يتقدم في اليوم الأخير 8 أبريل للترشح ليقلب الموازين ويربك خارطة المرشحين، ويدفع الإخوان بمرشح احتياطي لمرشحيهم الرئيس، ووصفه البعض بأنه مرشح العسكري، لضمان خروج آمن له، ووافقت الأغلبية البرلمانية على مشروع قانون للعزل السياسي، قيل صنع خصيصا من أجله أو تفصيلا عليه، حيث يخوض الآخرون السباق منذ شهور، ومزيد من الضغط خرجت مليونية الإخوان وسائر القوى الإسلامية في 13 أبريل الماضي، ولكن كان قرار الاستبعاد يوم 15 أبريل ثم رفض التظلم يوم 17 أبريل فهل يا ترى ستقام تظاهرة الجمعة القادمة 20 أبريل من أجل العزل السياسي وحماية الثورة من ترشح الفلول.. التي دعت لها القوى الثورية والمدنية وأعلن الإخوان مشاركتهم فيها رغم أن الأولين لم يشاركوا في جمعتهم الماضية!!
وكذلك يمكن أن نقول على مرشح جماعة الإخوان المسلمين الأساسي المهندس خيرت الشاطر النائب الأول لمرشد الجماعة الذي اتهمت الجماعة بعد ترشحيه بمخالفة وعودها والتزاماتها التي قطعتها على نفسها!! وطالب البعض بانسحابه واعتزاله كذلك.. ولكن كانت المفاجأة كذلك أنه كان في مقدمة من تم استبعاده وقدم مع آخرين تظلمه من هذا القرار وتتضارب الأنباء في استمراره أو استبعاده!
هؤلاء وغيرهم ثمانية مرشحين رئاسيين قدموا أوراقهم تم استبعادهم وعدم قبول تظلماتهم!! ليظل المشهد الرئاسي المصري مرتبكا وفوارا تكثر فيه الأسئلة وقد تصعب وتستحيل الإجابات...
دلالات مشهد الاستبعاد:
1-زوال حالة الاستقطاب على العزل السياسي وحماية الثورة بعد الشعور بالخطر والاستمرار في خارطة الطريق التي حددها استفتاء 19 مارس سنة 2011.
2-نفي جزئي لمقولة الصفقة بين الإخوان والعسكر من جهة أو بين العسكر وأحد المرشحين من جهة أخرى وصعود لغة القانون وتعميم تطبيقه على الجميع! فهل يستعيد ذلك مناخ الثقة المفقود في مصر.
3-غلبة الوجوه التوافقية على المشهد وغياب المرشحين الذي تم حولهم استقطاب وجدل كبير شأن عمر سليمان أو خيرت الشاطر أو المرشح السلفي حازم أبو إسماعيل( رغم أصوله الإخوانية) والذي يهدد بردود فعل عنيفة على قرار استبعاده حتى حينه... وهو ما يمثل فرصة لغير المستبعدين مثلا عبد المنعم أبو الفتوح المنشق عن الإخوان تنظيميا والذي ينال قبولا من القوى المدنية، وهناك احتمال توافق بينه وبين مرشحين آخرين من القوى المدنية شأن حمدين صباحي مرشح التيارات الناصرية وعلى الجانب الآخر تبرز حظوظ عمرو موسى وشفيق من رجال النظام السابق أو رجال الدولة في عهد مبارك!! حيث كان الموقف منهم أقل سخونة من سليمان!
4-حيرة الناخب وتوتراته في تحديد مرشحه.. وخاصة أنصار المستبعدين ومن تحمسوا لهم.. فمع غيبة البرامج التي تمثل استراتيجيات المرشح الرئيس للدولة وغلبة الشخصنة ولغة التصنيف التاريخي تتغير الانطباعات بشكل كبير ومتسارع في الحالة المصرية وهو ما تؤكده مختلف استطلاعات الرأي.
5-غيبة القوى التنظيمية بما فيها العسكر عن التأثير في المشهد الرئاسي.. فبعد خروج من اعتبر بشكل قوي أنه مرشح العسكر- عمر سليمان- وخروج خيرت الشاطر وبقاء المرشح الاحتياطي للإخوان محمد مرسي ومطالبة القوى الإسلامية الأخرى للإخوان بسحبه لتأييد مرشح إسلامي آخر، وإعلان قوى إسلامية تأييد عبد المنعم أبو الفتوح .. يبدو أن تأثير القوى الرئيسية في الدولة في المشهد الانتخابي القادم في الدولة سيكون أقل.. سواء الإخوان المسلمون رغم ما يبدو إصرارهم على المنافسة بمرشحهم الاحتياطي للشاطر الدكتور محمد مرسي رئيس حزب الحرية إلا أن الاتجاهات تبدو تسير في غير صالحهم، فقد أعلنت الدعوة السلفية مثلا أنها كانت تمكن أن تقبل بالشاطر ولكن لن تقبل ب مرسي ولا تراه الأصلح وسط المرشحين الرئاسيين.. وحتى الآن يظل عمرو موسى كما هو ليس مرشحا للعسكري وكذلك شفيق كما أن كليهما ينفي ذلك! ويبدو اعتمادهما على حملاتهم الشعبية ومؤيديهم وهم ليسوا مرشحي أحزاب ولكن مرشحون بتوكيلات رسمية من أكثر من 30 ألف مرشح!
6-رغم أن الأخطاء التي خرج بسببها بعض المرشحين يمكن نقاشها، سواء ما تعلق منها بقضية العفو العام والحرمان السياسي، شأن أيمن نور وخيرت الشاطر، أو أخطاء إجرائية شأن خروج سليمان بسبب النقص في توكيلات إحدى المحافظات أو ترشح أكثر من شخص عن حزب واحد، أو الجدل المستمر حول ما استندت إليه اللجنة الرئاسية في موضوع جنسية حازم أبو إسماعيل وحجيته، إلا أن التزام اللجنة بالنصوص القانونية في الحكم على مختلف المستبعدين تؤكد بدرجة كبيرة حسمها واستقلاليتها.. وقد يؤسس في الآن نفسه لمناقشة عميقة لبعض المواد القانونية المتعلقة بمباشرة الحقوق السياسية فيما بعد..
أسئلة مهمة:
وكما لا تنتهي مفاجآت المشهد الرئاسي في مصر، ونرجو أن نكون وصلنا لدورها النهائي في مسابقته، لا تنتهي الأسئلة سواء العالقة أو اللاحقة فيه ومنها ما يلي:
1-إمكانية مرشح إسلامي واحد: هل يمكن أن يجتمع الإسلاميون على مرشح إسلامي واحد، بعد خروج مرشح الإخوان الأقوى خيرت الشاطر، خاصة بعد توجه الجماعات الإسلامية الأخرى بعيدا عنها بعد ترشحه أو بعد استبعاده، أم أن الأمر يبدو مستحيلا في ظل استمرار أسماء إسلامية مختلفة فيه مثل الدكتور محمد سليم العوا الذي يرى نفسه الأجدر من سواه والدكتور عبد المنعم أبو الفتوح الذي لا زالت علاقته مع الإخوان بعد انشقاقه عنهم تنظيميا مرتبكة وقد يخسر بعودته إليهم القوى المدنية والثورية التي سابقت لتأييده لابتعاده عن موقف الإخوان، وإن كنا نستبعدها لطبيعة المرشحين والتنظيمات الإسلامية في مصر إلا أنها تظل واردة في ظل دعوات متكاثرة لها، وضغوط على الإخوان من أجلها( الجماعة الإسلامية المصرية والدعوة السلفية والهيئة الشرعية للإصلاح( مجلس شورى العلماء).
2-إمكانية تحقق فكرة فريق رئاسي المدني: بعد إعلان ترشح خيرت الشاطر وأُثناء مشكل التأسيسة العالق وإحساس القوى المدنية والثورية بضرروة التوحد في مواجهة جماعة الإخوان التي تسعى للسيطرة على مختلف مفاصل الدولة طرحت فكرة الفريق الرئاسي الذي يتعدد عناصره ليثبت فيه عبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي وأبو العز الحريري والناشط الشاب خالد على وهشام بسطاويسي.. وقد زادت سخونة هذه الفكرة بعد طرح عمر سليمان نائب الرئيس السابق ورئيس جهاز المخابرات الأسبق حيث كانت هناك اجتماعات دورية بين هؤلاء المرشحين ومعهم السيد عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية الأسبق والدكتور محمد سليم العوا.
ورغم التسريبات التي تتم عن احتمالية ذلك يبدو الأمر بعيدا لعدة أسباب:
أولا: الخلافات الفكرية بين مختلف المرشحين، والتي يعبر كل منها عن تيار فكري واجتماعي مختلف عن الآخر، بل يعبر أكثر من مرشح عن نفس التيار.
ثانيا: صعوبة فكرة التنازل وشخصنة المنافسة والحملات.
ثالثا: زوال خطر ما يسمى الفلول وخطر سيطرة جماعة الإخوان على مختلف الرئاسات بعد استبعاد مرشحيهما سيخفف من ضرورة فكرة الفريق الرئاسي المقترح.
*معهد العربية للدراسات والتدريب