آلاف الأسر زحفت في ليل زنجبار أو بر الزنج...، نحو شاطئ تتلاطمه الأمواج في ليل العام 1964.. سرى بينها خبر وصول سفنٍ عربية، لإنقاذهم من المجازر ...
صباح ذلك اليوم من يناير والأفق يتحدى بسحائبه المظلمة إشراقات الصباح الأولى، تكاد ترى ارتشاف مد أمواج البحر لدماء افترشت الساحل. أكثر من عشرين ألف قتيل، فاجأهم جنود وكثير من العامة الحمقاء الذين فعلت آلة الكراهية التي بثها فيهم لسنوات الحكام والبرتغاليون من قبلهم.
فالعرب(يمنيون عمانيون.. وضموا إليهم الهنود المسلمين)، هم أصل سبب التخلف وهم هنا مستوطنون لا أصلاء كما تؤكد لهم آلاف السنين، تثاقفوا مع المحليين الأفارقة وتزاوجوا.. بيد أن صاحب المحنة يبحث عن وجاء يكفيه التعايش مع أزمته.. فالإنسان في تخلفه وضعفه تسهل عليه حلول الاقتلاع والإزالة ولا يطيب له سماع حلول تنفتق من قسوة الصبر.
وإذا بصرت في عمق ماذا دفع الهوتو في رواندا لقتل مليون من التوتسي..لأدركت أن نزعة الإزالة ليس أصلها الاختلاف العام، فنقول هذا عربي وهذا إفريقي، فتلك الكراهية التي تنسج ربما بوقائع حقيقية ربما تتفاوت في سلبيتها لكنها توجد في كل مكان. وعند وقوعها في يد من لا يخاف ولا يرحم ويقود.. يحركها بأي اتجاه يريد ويهيئ الأسباب لتكون نهايتها مليئة بالدماء.. والأشلاء..
وفي السودان تحت ظلال أشجار شجرة "الهجليج" ، يفترشُ الجنود والمسلحون من جنوب السودان وغربه، الأرض الرملية المنبسطة تنفردُ فيها أصوات غناءٍ حزين تختلط فيه العربية باللهجات المحلية، تحكي أن "الشمالي" إن لم ينكسر ظهره فسيتخذنا بعيراً وعبيداً الى الأبد ..يتغنون بآلام مصدرها ذلك "الشمالي المستعمر".. أسمعهم كما فعلت في العام 1995 وسط جبال ناتنغا.. في جنوب السودان.
وإن دخل الجنوبيون وحلفاؤهم من غرب السودان، "هجليج" مستخدمين أحدث الأسلحة والخطط الحديثة ليكونوا في قلب أمل الشمال الاقتصادي كي يردوا على هجمات الحكومة بالطائرات على أرضهم.. وإن كانوا يطمعون في مبادلة منطقة أبيي بهجليج .. وإن كانت مراميهم إضعاف الحكومة لتمكين الشماليين من الثورة عليها وبسط الديمقراطية...!! مهما قيل فإن "هجليج" أي "اللالوب" بالمحلية الشمالية، تسكنُ برمزها الشجرة الشفاء وحاضرها سيطرة الجنوبيين وحلفائهم جرح شكٍ عميق في نيات من فعلوها.
"هجليج" عند الغالبية من السودانيين (شمال السودان) ، تتجلى فيها صور غطرسة الأحمق الذي يظهر الكياسة حيناً، لكنَ الغضب يفجرُ فيه المتخلف المتعطش للدماء، وليس أمدرمان حاضرة السودان ببعيد عندما دخلها مسلحو الغرب في مايو قبل أربعة أعوام. عندئذٍ لم تُخف أدبياتهم تلك النعرةَ المكتملة النضوج المشتاقة الى رؤية الأشلاء والدماء.. أشلاء ودماء الشماليين. لم يشفع لأغلبية هؤلاء الساحقة "الشماليون" أنهم دعاة مساواة ووحدة ورجالٌ ونساء يضحون لأجل حق الآخر وكرامته بالأنفس.
لم تشفع لهم وقفاتهم معهم في نفس الصف يهتفون نفس الكلام: سودانا فوق...
لكن ذلك التعيس القابع في ركنٍ قصي تلهبه قصص الماضي المزيفة بأن الشماليين مسؤولون عن العبودية والتخلف.. ويرددون أن الشماليين ينظرون حتى للمسلمين من غير الشماليين في السودان ينظرون إليهم وكأنهم ليسوا ببشر: يرفضون التزاوج معهم.. يرفضون الصداقة معهم.. يمنعونهم من الوصول الى المناصب.. ويحرمون مناطقهم من الفرص.. ويضطهدونهم..
وينسى مطلقو الاتهامات الطبيعة الثقافية والقيمية في الشمال نفسه وما تعكسه من سلوكيات سلبية ..يعرضون عن رؤية الفقر والحاجة في الشمال نفسه، ولم لا ..فالنفس ترتاح الى السهل الذي يريحها فتستنهض الشر فيها حتى تعمى القلوب التي هي في الصدور.
وما يرهق النفس وسط عامة السودانيين، هو انغماس مجموعات من الشماليين وأصدقائهم العرب، في تحليل و"تخليل" مآلات الوضع والنزوع الى تفسيراتٍ تذهب الى اتهام المؤتمر الوطني الحاكم، أو أطرافٍ فيه بتأجيج الوضع لمكاسب سياسية يجنيها في أجواء الحرب والتجييش.. فكثرةٌ ترى في ما وقع في هجليح، نهوضا للمتعطش للدماء والسحق ليس لحكومة أو جماعة ولكن لبلد وعرق بعينه.. كثرةٌ ترى أن الخطرَ على الوجود ليس ببعيد.. يكادون يشتمون أنفاسه..
ومن آلاف الأميال أكاد أشتم رائحة الدماء في هجليج وما حولها، ولا أخفيك القول إنني أكاد أرى الأشلاء تنتظمُ البلاد من أقصاها الى أقصاها.. فعتمة الكراهية تستبدُ والغرور يكبرُ.