قرأت كغيري أن المجلس الاقتصادي الأعلى بصدد مناقشة موضوع تحرير أسعار التذاكر للطيران الداخلي، وأن هذا التحرير ربما يرفع أسعار التذاكر إلى خمسين بالمائة، وهذا بالطبع أمر لو وقع فسيكون مفزعاً ومروعاً، ليس لأننا ضد الاقتصاد الحر ومفاهيم السوق الحديثة ودعوات الاستثمار ورفع الدعم عن كثير من الخدمات، ولكن لأن الأمر هنا مختلف تماماً، وفيه ظلم وإجحاف كبيران في حق المواطن.
ليس من العدل أن يتحمل هذه الزيادة المواطن البسيط الذي يسافر للعمرة وللزيارة ويسافر ليجوب بلاده كسائح داخلي أمضينا سنوات لنشجعه على السياحة الداخلية ثم نرفع عليه الأسعار التي يشتكي منها هو أصلا، بعد أن حرمناه لعقود طويلة وبسوء تخطيط كبير جداً من وسائل نقل بسيطة تحدث الكثيرون على مدى ثلاثين عاماً أنها غير مجدية وأنها لا تناسب طبيعة بلادنا، والآن وفجأة أصبحت قراراً إستراتيجيا وأصبحت مهمة ومجدية ومناسبة تماماً لطبيعة بلادنا، والآن لا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل لكل الذين ظلمونا بتنويمهم وتخديرهم لمشروعات شبكة السكك الحديدية التي تنعم بها دول العالم الأشد فقراً أيضا منذ أكثر من مائة عام.
ليس منطقياً أن يتحدث أي أحد عن تحرير أسعار التذاكر قبل أن تكون بيئة النقل بمختلف أشكالها جاهزة تماماً، وعلى رأسها شبكة القطارات، فالمواطن السعودي الذي ظل محروماً من السفر بوسائل نقل أرخص مثل القطارات لعقود طويلة على الرغم من أن السكك الحديدية موجودة في المملكة منذ عام 1947، والجهة الرسمية المسؤولة عن القطارات صدر قرار إنشائها في 1966، لكنه ومنذ ذلك الوقت ظلت هذه القطارات فقط بين الرياض والدمام.. هذا المواطن عاجز الآن عن بدائل أخرى للتنقل سوى السفر براً وهو الأكثر خطورة بالطبع، إضافة إلى عدم جاهزية هذه الطرق السريعة باستثمارات في مجال الاستراحات والخدمات التي يحتاجها المسافرون براً، وللحق نقول إنه ليس كافياً أبدا أن يكون مبرر تحرير أسعار تذاكر الطيران هو تشجيع شركات طيران جديدة للاستثمار في سوق الطيران الداخلي بالمملكة، بل أكملوا شبكة القطارات لكل مكان يصل إليه الطيران، ثم ارفعوا أسعارها 1000 بالمئة!
*نقلاً عن جريدة "الشرق" السعودية