الأربعاء 08 جمادى الأولى 1434هـ - 20 مارس2013م
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الأحد 01 جمادى الثانية 1433هـ - 22 أبريل 2012م KSA 16:09 - GMT 13:09

تخيّر من تناقش

الأحد 01 جمادى الثانية 1433هـ - 22 أبريل 2012م
حسين صبري
حسين صبري

لاشك أن عصرنا اليوم فيه زخم إلى درجة الضبابية، في أعداد البشر، وأكوام المنتجات، وخفايا النفايات، والمشاعر، والعلاقات، والأمراض، والجرائم، والملوثات، والأوراق، والأصوات، والوجوه، والروائح، يطفو على ركام هذا الزخم الهائل مظهران في غاية الخطورة: ثورة تكنولوجيا المعرفة وثورة تكنولوجيا الاتصالات، هذان من تقفز مؤشراتهما كل ساعة، تناميا إلى الأعلى، وقوة إلى الأعقد، يشتاق الإنسان وسط هذا الزخم إلى فسحة للنقاش، الحوار مع الآخر، فالإنسان كائن يناقش، وليس اجتماعيا وحسب، مثلما أراد ابن خلدون، وليس ناطقا وحسب، كما أوهمنا أرسطو – إلا إذا قصد من النطق النقاش – فمن منا لا يحب في لحظة أن يسمَع وأن يُسمَع ، هذا هو الطبيعي ، من الشخص الطبيعي، والناس في نقاشاتهم وحواراتهم – كسائر ما عداها من أمور –
ألوان وأزمان ومراتب.

لأن الكائنات كلها تتبادل فيما بينها أشياء وأشياء ، وتبقى لخاصية التبادل بين البشر تميزها المعرفي ، فعندما تناقش فأنت تناقش لتُعرِف إذا كنت واعيا، أو لتفهم إذا كنت لا تدري ، أو لتترك عصف الأدمغة يستمطر الأفكار مع من تحاور ، الخطر في عملية التبادل أن تجد أصنافا من الناس غير هذه الأصناف الثلاثة، لهذا :فالنقاش ألوان:

لون ساحب: هو ما اتصل بما تقتضيه حياتنا اليومية من مآكل ومشارب وحاجيات ، مثلما تمد يدك إلى سلعة ما لتجلبها فتجد من يرغبك فيها أو يحذرك منها ، وربما أعطاك الدليل على ما يقول أو بخل به ، أو لم يكن عنده أصلا هذا الدليل ، هذه النقاشات ذاتية وتمثل انطباعات متغيرة متبدلة بين الناس ، لا تؤسس حقائق ، ولا تبني اتجاهات ، ولا تقيم معرفة إلا الجزئية منها ، ما يخدم رغباتنا اللحظية.

ولون صاحب: هو ما اتصل بتفاصيل الحرفة التي تمتهنها ، تكون في الغالب مثمرة إذا ما تمت بين مختصين في ذات الصنعة، المكانة الأعلى فيها للأعلم والأقدر والأكثر استحواذا على مهارات وخفايا وخبرات المهنة ، و الذكي منا في مثل هذا النقاش هو من يصحب الأجدر ، الذي يفسح لعقله وأعصابه مجالا رحبا لكي يستزيد ويستفيد ويصقل ما عنده مما لدى محترفي الصنعة.

ولون شاحب: هو ما اتصل بقضايا العلم والتخصص – ويختلف درجة أو أخرى قربا أو بعدا من موضوع الحوار – فأصحاب هذا اللون كثر ، منهم أجلاء ، أكفاء ، قادرون ، يمسكون بزمام المعرفة ويعلمون خبايا وأزقة وغياهب ما يعلمون ، وللواحد منهم قدرة على أن يعطي ، ويضيف ويثري الآخر معرفة وقيما ، ومنهم – وهؤلاء الذين يسحبون العلم إلى غير موضعه - من أوصلته سلالم خلفية ملتوية ومهارات صنعت خصيصا لبعض حيوانات السيرك وطوائف من القردة ، لكنهم تلقفوها فأتقنوها ومارسوها وتمكنوا ووصلوا ، ترى الواحد منهم بارعا في إبداع الباطل ، وربما انطبق عليه قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه : تالله لقد غلب باطله حقنا ، لأن مثله لم يلتفت إلى مقولة أحد الحكماء حين صرح " لأن يكون لي نصف وجه ونصف لسان وعين واحدة – على قبح المنظر – أحب إلي من أن أكون ذا وجهين وذا لسانين وصاحب قولين " ، هؤلاء يبدعون في تبديل وجوههم وصبغ ألسنتهم ومسخ إنسانيتهم ، المشكلة غالبا لا تكون فيهم ، فهم غير مستورين عن كل ذي عين فاحصة ، إنما فيمن يساندهم ويقوي شوكتهم ويشعرهم أنهم بارعون ورائعون وليس لهم مثيل ، إذ لم تبتلى مسيرة العلم والمعرفة في تاريخ الآدميين بأبشع من هؤلاء ولا بأسوأ مما يصنعون.

والنقاش أزمان:

زمن عاصف: هذا نقوله لأن النقاش أساسه أن يستمر لينتهي إلى تأسيس معرفة أو ترسيخ قيمة أو تفعيل مهارة أو تصويب انحراف ، وإلا ما جدوى الحوارات بين الناس ، أحيانا لا يستغرق النقاش إلا ثوان ، لا يكون صاحب المعرفة فيه ملوما ، لا سببا ولا نتيجة ، انه ما إن يشرع في نقاشه وهو على يقين من حجته وعلمه إلا وينهض له ومن الجملة الأولى في الحوار ، طرف آخر .... ليخالف ، إن متعة بعض الناس أن يخالف ، هو لا يعرف ولا يمنح نفسه فرصة لأن يعرف ، إنما يشهر أسلحته وقوته ويشن هجومه فقط في أن يخالف ، يحتد ، ينفي ، يعترض ، لا يقدم شيئا ، هو غافل عن أنه " نادرا ما يكسب المنفعل ولا الأهوج ولا الجهول مناقشة " ، هو من قيل في أمثاله : لأن أزيل جبلا من مكانه بإبرة ضئيلة خير من أن أناقش جاهلا لأقنعه.

وزمن خاطف: عندما يأخذك النقاش لتكون طرفا متلقيا من عالم ، فاهم ، واع ، مقدر لعقول مستمعيه ، ولاهتمام محاوريه ، يجل قدراتهم ، وينتبه جيدا لرغبتهم في المعرفة ، في لسانه حلاوة الكلام ، وطيات مفرداته طلاوة الانسجام ، يتكلم فلا يشتت انتباهك بأصابعه التي تعبث في أنفه أو وراء أذنيه أو يفرك عينه بداع ومن غير داع ، يسترسل فلا يترك ريقه يتراكم في فمه ، فتصير كلماته وحروفه متورمة ومنتفخة ، هذا المناقش يزدك ولا ينتقص منك ، يضيف إليك ولا يسلبك شيئا ، يرفعك ولا يخفض من قدرك ، يحببك في معرفته ويشدك إلى جهده ، ويلفتك إخلاصه ، وتعينك على الرقي أخلاقه ، فتكون الساعات معه لحظات ، تشعر وأنت في معيته أن الزمن يتخلى عن قانونه في التوالي ، حين يمضي معه فلا تشعر بأنه قد انقضى.

وزمن واجف: ذاك الذي يلقي بك إلى نقاش مع من لا يرحم ، فلا هو يعرف ولا يدع لك الفرصة لتعرف ، هو فارغ ، لا محتوى له ، باهت لا لون له ، كالح ولا طعم له ، ولا رائحة ولا عقل ، مثله يعلم - بينه وبين نفسه - شيئا مهما ، أنه ناقص ، أجوف ، لكنه يصر على عكس ذلك ، هو مريض بانحراف سلوكي غريب ، لا يعلم ، ولا يدري أنه لا يعلم ، ولا يستطيع أن يقول أو يصرح بأنه يدري أنه لا يعلم ، فاذا جرك قدرك إلى نقاش مع هذا الصنف من مدعي القدرة على الإقناع ، فاعلم أنك ستتجاوز حتما جاذبية نيوتن ولن تلقي لها بالا - رغما عنك- لأن روحك وحواسك ومشاعرك سوف تتوقف عن الحركة والدوران والحياة إلى أن يغرب هذا المدعي عن وجهك.

والنقاش مراتب:

مرتبة تقصيك: عندما يوقعك سوء حظك أو ضعف قدرتك على فهم نفسيات البشر والتنبؤ بأفعالهم ، لأن تتحاور مع شخص لا يسمع ، أبدا لا يسمع ، لا يريد أن يسمع ، ولا يقدر أن يسمع ، ولا يملك أن يسمع ، انه فقط يتكلم ، حتى إن صمت فان صدى صوته هو الذي لا يفارقه ، مهما كانت حجتك وبراعتك وقوة معرفتك وطيب أخلاقك ، فانك لن تجد لعقله إليك سبيلا ، انه باختصار لا يريد إلا صوته ، انه يتلف ما عندك ، انه يقصيك ، إذا استشعرت خلايا دماغك يوما ظلا لهذا الصنف من المناقشين فسارع أنت أولا بإقصائه ، لأنه لا يملك من حطام المعرفة إلا إقصاء الآخر.

ومرتبة تدنيك: هناك من البشر من لديه نفس رائقة ، ومشاعر راقية ، ونبل ، وخلق رفيع ، الناس والأحداث والبؤس لم تستطع مجتمعة أن تلوثه ، أو حتى تنكت نقطة سوداء واحدة في قلبه ، انه يألف ويؤلف ، روحه مجندة لأن تأتلف مع أرواح الآخرين ، تحبه ولا تمل الحوار معه ، تشعر إذا ما فقدته بأن شيئا مهما ينقصك ، هذا الصنف إذا ناقشته سمعك وأسمعك ، وتقارب منك وقربك ، من هؤلاء كان سقراط ، لقد ابتلي بقبح المنظر فأعانه الله تعالى بحلو المعشر وكمال الخلق وصدق الكلمة وجمال الإيمان وإخلاص قل أن تجد له مثيلا في صفحات التاريخ ، ملك العقل والنفس التي تستطيع أن تجمع بين ضلوعها هموم البشر ، رفض أن يكتب كلمة واحدة من حكمته ، يقينه أن المعرفة هي فعل وصدق يسري بين الناس ، هذا الصنف يقل وينزوي وتتناقص أعداده ، ربما لأن قلب الواحد منهم لم يعد يحتمل الفواجع والمواجع التي يخلفها الغل والحقد والغيرة التي تنهش في أكباد كثير من الناس تجاه بعضهم البعض اليوم.

ومرتبة تنجيك: في همس ، يحركه احتياج أو يقين ، يدخلك إلى حوار ، عندما تستطيعه مع الأكرم ، والأعلى ، والأبهى ، والأعظم ، انه حق ، يسمع ، ويعلم ، ويقترب ، وينقذ ، ويطبب ، ويشفي ، ويمسح دمعتك ، ويواسيك ، خالقك ، رب العزة ، لقد تحاور مع الملائكة لما أخبرهم " وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون"، و مع الأنبياء والرسل مثلما سأله إبراهيم عليه السلام "ربي أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" ، ومع الإنسان عندما يفطن إلى إنسانيته ، بل تحاور مع إبليس " قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أأنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " ، انك إن تمكنت من إقامة جسر لمثل هذا الحوار فانه تعالى يسمو بروحك ، فلا يهزمك بعدها شيء.

ومرتبة تبقيك: هو ذاك النقاش الذي تستثمره مع عقلك ، حين تطوعه للبحث والتدقيق والفحص والتأمل وتحليل الأمور ، أيقظه بالعلم يبقيك بالإبداع ، سلحه بالخلق يمدك بالفطنة ، اشحذه بقوة الاستنتاج يسعفك بالشفافية ، هذه المرتبة لا تضيع جهدك ، فاذا أعطيتها أعطتك ، لا حرمتك ، وإذا أكرمتها أكرمتك ، بمكنون المعرفة وإضافات الابتكار و طلاقة المعاني ، إنها تمنحك الفرصة لأن يكون لك في أرفف المعرفة رفا ، وفي سجل الأخلاق بصمة ، وفي عداد الخالدين اسما.

هل لنا بعد هذا أن نعرف من نناقش، لنتخير أي واحد منهم نناقش؟