مع ان مقارنة "غير لائقة" بين الثقافة الديموقراطية السائدة عندنا والديموقراطية الفرنسية قد تستدعي اعتذاراً مسبقا من السفير الفرنسي الحازم حقائبه لمغادرة بيروت، لا يملك مراقب شغوف بالديموقراطية الحقة الا ان يقدم على هذه المجازفة.
يسوقنا الى مقارنة جائرة كهذه كثير مما عاينه اللبنانيون في مشاهداتهم لمساء الاحد الماضي الكبير في فرنسا، فيما هم خارجون لتوهم من عينة برلمانية عندهم. كاد ذلك اليوم الانتخابي الطويل الذي شارك فيه اكثر من 70 في المئة من الناخبين الفرنسيين يمر كـ"ويك اند" طبيعي، لم تشوش فيه محطات التلفزة خلال ساعات الاقتراع حتى الثامنة مساء على مزاج الناس، وكاد يصعب على اي مشاهد غير فرنسي تسقط اخبار الانتخابات الرئاسية حتى الساعة الصفر مع اقفال صناديق الاقتراع. حتى ان النيابة العامة الفرنسية فتحت تحقيقا في مخالفة بث تقديرات مسبقة. هذا في بلد الثورة الفرنسية.
ثم ان نتائج الدورة الاولى التي جاءت متطابقة تماما مع معظم التقديرات المسبقة لم تهتز لها سوى البورصات فقط. اما الفرنسيون فتعاملوا مع النتائج بالانحناء لما اسقطته اصواتهم في صناديق الاقتراع. لم يكن صعود اليمين المتطرف "مؤامرة" من خارج. ولم يكن تراجع ساركوزي وتقدم هولاند لعبة انقلابية مدفوعة الثمن او مشوبة بالرشى او بالسلاح او محمولة بقوى ومحاور خارجية. كان ثمة انتخابات صرفة هيأت فرنسا للخيار الحاسم الاخير في 6 ايار المقبل ونقطة على السطر. والاهم الاهم ان انتخابات تجري و"الدولة" اقوى من المرشحين والناخبين والمتفرجين سواء بسواء. ولعل المتفرج او الشاهد او المشاهد من قرب او بعد ادرك فعلا ما معنى ديموقراطية حقيقية في باريس الهانئة بأحدها الطويل كأن شيئا لا يحصل، ولا مؤامرات تجري، الى حين ساعة الصفر التي اقترن فيها ظهور النتائج فورا مع اقفال الصناديق. ثم ان من فاته المشهد لم يفوت شيئا بعد ذلك في معاينته مستوى المبارزات والنقاشات المتلفزة المفتوحة على الغارب والتي "افتقد" فيها اللبنانيون بشدة صراع الديوك ولغة النقاش "الحضاري" التي يتقن سياسيوهم تصديرها.
رب قائل ان عقدة النقص عندنا تملي تعظيم ما لدى الآخرين، لان للآخرين أمراضهم ايضا، وان فرنسا نفسها لم تعد فرنسا الحنين العتيق الى قامات وابطال كاريسماتيين كديغول وميتران وشيراك واسماء لامعة اخرى. وقد يصح ذلك، ولكن فرنسا لا تزال اولا واخيرا الدولة والقانون والنظام وروح الديموقراطية وثقافتها. فكيف لا "نحسدها"، ومن ذا يلومنا ونحن في هذا المقلب الهابط المظلم؟
*نقلاً عن "النهار" اللبنانية