إنْ نجا المواطن العربي من نار حاكم، وقع في رمضاء حاكم آخر. كأن قدره أن يُخلَق ويموت ولم يذق طعم الحرية أبداً.
في أكثر من صقع عربي نجح الثوار في إطاحة أنظمة استبدادية حكمتهم، والبقية، على مدى عقود. وكان من أشكال حُكم تلك الأنظمة تجريم من ينتقد "الحاكم بأمر الله"، ومن فعل وتمرد فلن يعرف مكان وجوده غير جدران الأقبية المظلمة والسجّان. فكانت ثمة لائحة بالممنوعات تتعلق "بقدسية" الحاكم، ولائحة مسموحات لا تشكل خطراً على أمن الحاكم قبل الأمن القومي.
التحصيل الحاصل هو أنه إذا ولى وأدبر فسقط الحاكم المستبد، سقطت معه لائحة الممنوعات التي يُعتبر مسها من صنف الخطايا، ورجساً من عمل الشيطان. لذلك يشعر المواطن العربي، إذنْ، كما لو أنه خُلق من جديد بعد أنْ لم يعد من الفرائض أن يولي وجهه شطر صورة من صور الحاكم.
لكنه، من حيث يعلم أو لا يعلم، سيقع في قائمة ممنوعات أخرى تعيده إلى الحبل الذي يلتف على عنق رقبته، أي أنه كسجين نقلوه من سجن إلى سجن آخر فظن خروجه من السجن الأول حرية. أولى أمارات شكل الحكم المقبل تنذر بالقمع مرة أخرى، وهذه المرة ليس بالضرورة القمع السياسي، لكنه القمع الاجتماعي والفني والأدبي.
لا فرق، إذنْ، بين منع انتقاد الرئيس مع السماح بفيلم سينمائي وأغنية، و السماح بانتقاد الرئيس ومنع الفيلم والأغنية، فكلاهما قمع واستبداد، وكلاهما سيف من سيوف ديموقليس المسلطة على رقبة العربي الحائر. فليست الديكتاتورية ممثَّلة بالحكم السياسي فقط، إنما بأي سلطة، لها صلاحيات المنع أو السماح، تحرم المواطن من حريته الفكرية والفنية وحقه في الاختيار.
مثلما كان دائما خوفٌ وقلق على الثائر السياسي والناشط الفكري، فاليوم، أيضا قلقٌ على الأديب، والفنان التشكيلي، والنحات، والممثل، والمطرب، وعلى الكِتاب، والفيلم السينمائي، وحتى الأماكن الترفيهية. وكل هذه الفنون في العادة تعيش في مناطق محايدة لا يطالها سيف الجلاد لكي يجتزئ منها، إنْ لم يقضِ عليها، فإذا تعرضت للمس، تحت اية ذريعة، فإننا سنعود إلى عصر الأجهزة الأمنية التي كانت تقبض على أنفاس الناشط السياسي، أو الكاتب الناقد.
المرحلة المقبلة لن تقل قسوتها عن السابقة إنْ سارت الأمور بالشكل المقلق الذي نشاهده الآن، ولعلها تكون أقسى حين لا يُسجن فنان أو يُمنع مشهد سينمائي فقط، إنما حين يتم الزج بالفنون في أقبية السجون.