أثناء الثورة ارتبكت وسائل الإعلام المصرية "الرسمية" وشقيقتها "الخاصة" وظهرت بشكل مخجل وغير مهني على الإطلاق واستمر أداؤها بعد الثورة: تارة تقلد وسائل إعلام عربية وغربية وتارة أخرى تبدع على طريقتها فتأتي بغرائب "الإعلام"! ورغم ازدياد وعي المشاهد وتعدد القنوات الفضائية تظل تلك الوسائل ذا تأثير خطير على شريحة كبيرة من الشعب المصري.
أركز هنا على مذيعي البرامج التلفزيونية لأنهم "أبطال الشعب!" فكل له جمهوره وعشاقه. أصنفهم كالتالي: البعض منهم "نصَاب محترف" والآخر "نصَاب خايب" ومنهم "المجتهد" وعدد قليل جدا "مهني محترف". هذا التصنيف ضمن إطار أوسع وأشمل وهو "المدرسة المحلية" و"المدرسة الأجنبية" في الصحافة والإعلام.
غالبا ما يكون "النصَاب الخايب" و"المجتهد" خريجي المدرسة المحلية وهنا لابد أن نلقي كثيرا من اللوم على تدخل أجهزة الأمن في عملهم ما حملهم إرثا ثقيلا من العادات السيئة والسبب الأهم من وجهة نظري هو مجانية التعليم "الجامعي" فكليات الإعلام والمعاهد المصرية تخرج آلاف الطلاب سنويا ما يستدعي احتواءهم في سجل الوظائف الحكومية ويتحول العمل الإعلامي إلى "وظيفة" وهذا في حد ذاته كارثة قومية بدون مبالغة فنجد مذيعين ليس لديهم أي "كارزيما" على الشاشة أو ثقافة ناهيك عن غياب المهنية داخل المؤسسات الإعلامية خصوصا المرئية بدءا من كتابة النص والإخراج والإضاءة والديكور وشكل البرنامج إلى الملابس إلخ، وكما قال لي إعلامي معروف في مصر مازحا: "كل واحد بيعمل اللي هو عاوزه في البرنامج بتاعه"...
"النصَاب المحترف" و"المهني المحترف" منهم من درس في الخارج أو تلقى دورات تدريبية في الصحافة التلفزيونية في جامعات ومؤسسات إعلامية على درجة عالية من المهنية في أوروبا وأمريكا وعملوا بها لفترة من الوقت وهذه خبرة مطلوبة تجعلهم أكثر وعيا ومعرفة بالصحافة التلفزيونية الحقيقية ومنهم خريجو المدرسة المحلية وبعضهم رواد "مدرسة التضليل الإعلامي".
الحق يقال توقعت أن يقدم إعلاميو المهجر العائدون نموذجا للإعلام المهني الجيد خصوصا في البرامج الحوارية بدلا من التقليد والخداع! لكني وجدت أن بعض هؤلاء "تمصَر" أي اتبع في منهجه مبدأ "الجمهور عاوز كده" وهي أخطر قاعدة "صحفية" على الإطلاق كما أنها أكثر خطورة من الإعلام الرسمي والسبب أن "صاحبها" يكون "نصابا محترفا" فيتظاهر بالمهنية بينما يعزف على وتر "الجمهور عاوز كده" فيسمعه ما يريد مضحيا بالحقائق ليظهر هو بطلا قوميا ومتحدثا باسم الشعب و"الغلابة" ويساعد في ترويج ثقافة رديئة لدى المشاهد بشكل متعمد ظاهرها مهني وباطنها البحث عن شخصية البطل تلحظها عندما تلتحم بطبقات الشعب وتسمع عبارات: "شفت (فلان) عمل إيه في الضيف!" أو "يا سلام بس أحرجه وبهدله!)، حتى لو كان الضيف أكثر علما وعقلانية فالغلبة دائما لاستعراض وغوغائية النصَاب المحترف! للأسف انضم العائدون الى مدرسة "التضليل الإعلامي"!
من السهل أن تساير التيار السائد من الإعلام المصري الرديء الذي تغلب عليه ثقافة Show"" أو كما يقول المصريون "المنظرة" ، سواء بخلق مشكلة لا أساس لها أو الصراخ أو صياغة أسئلة سطحية أو تحدي الضيف بشكل غير مهني أو الوقيعة بين الضيوف أو تلفيق قضية جدلية أو ترجمة خاطئة أو إدخال نظرية المؤامرة والتشكيك ودغدغة مشاعر المشاهدين الوطنية... الخ، والغالب في تلك الثقافة هو عدم البحث فيما يقال أو يحدث وكما يعرف "النصَابون المحترفون" من دراستهم وعملهم في المؤسسات المهنية أن البحث وتحري المعلومات هو أساس الصحافة المهنية حتى لا تسبب تلك البرامج ارتباكا وخلطا يضر بالمشاهد ويؤثر سلبا على اختياراته خصوصا أنه تعود عبر عشرات السنين على أن ما ينقله الإعلام المحلي أكثر مصداقية وهنا الكارثة الإعلامية التي تؤدي إلى الإضرار بمصالح الوطن والمواطنين وتجعل صورة مصر سيئة جدا في الخارج!.
بعض أسباب رداءة هؤلاء بصراحة تعود أساسا الى عقد نفسية منها حب الظهور والنرجسية واختصارا عقد النقص لكن الخطورة هي أن تلك العقد الشخصية تساعد على تكوين مجتمع مريض نفسيا وهذا يدمر بنية المجتمع الأساسية!.
إن "النصابين المحترفين" أخطر فئة في الإعلام المصري الآن!
أخيرا "المهني المحترف"، أعترف أني شاهدت محاولات مهنية من قبل بعض إعلامي المهجر والمجتهدين من المدرسة المحلية وأعترف أيضا أن مشكلة المهني المحترف في مصر أن الناس تعودوا على رداءة الإعلام لدرجة أصبح من الصعب عندها تقدير "الجودة والمهنية والموضوعية" فالمصريون أصبحوا يعشقون الجدل والمناورات والإعوجاج كما الضحك والتمثيل ورغم أن البرامج التلفزيونية تتطلب أداء معينا و"بهارات معينة" لكي تكون جذابة للمشاهدين فإن الكذب وادعاء البطولة وخلط الحابل بالنابل لا يقبلها أي مهني محترم ولا تقبلها أي مؤسسة إعلامية محترمة ومن الواضح أنه ليست هناك معايير صحفية ولا إعلامية ولا تحريرية ولا إنتاجية فالهدف "اعمل "show" وهات معلنين" فدخلنا في نوعية أخرى من البرامج التجارية وهنا الخطورة.
لا أنكر أن في مصر مبدعين ومهنيين محترمين وفي هذا السياق شاهدت قبل عدة أيام برنامجا اعتبرته انطلاقة للصحافة المصرية المهنية التي أتمنى أن تسود في مصر والحديث ليس مجاملة على الإطلاق فالبرنامج الذي استضاف مرشحا لرئاسة الجمهورية في حضور عدد من الخبراء والمختصين استجوبوا المرشح عن برنامجه الانتخابي والحق يقال كان الأداء رائعا من كل الأطراف مع وجود بعض "البهارات" المسموح بها في مثل تلك البرامج.
إن الجمهور يحتاج الى من يحترم ذكاءه ويرفع من وعيه حتى تعود مصر إلى صدارة المشهد الإعلامي مهنيا وليس "غوغائيا".