أياً ما كانت دوافع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد لزيارة جزيرة "أبوموسى" الإماراتية المحتلة في هذا التوقيت بالذات فهي بلاشك غير مقبولة بجميع المقاييس والأعراف الدولية، ومبادئ حسن الجوار وتتناقض كلياً مع الأخوة الإسلامية التي يتحدث بها الإيرانيون دائماً.
فإن كانت دوافع زيارة نجاد للأسباب انتخابية، فبلا شك لم يحالفه الصواب، فالشعب الايراني قد ضاق ذرعاَ من سياساتٍ أدت به إلى العزلة، وإشعال النيران في كل الجهات، وإن كانت دوافعه استفزازية فقد خاب ظنه أيضاً، فالقيادة الإماراتية الحكيمة على مر الزمان تتمتع بحنكة سياسية ونظرة ثاقبة تتنزه بها عن القرارات المتسرعة أو ردة الفعل المتهورة، وإن كانت دوافع نجاد انتقامية للرد على الموقف الإماراتي الإنساني تجاه ما يحدث من محرقة إنسانية في سوريا الشقيقة بتخطيط ومساعدة لا محدودة من طهران، فقد ارتد سهمه إلى نحره، فدولة الإمارات حكومة وشعباً مشهودُ لهما بالمواقف الإنسانية النبيلة في تلبية أي نداءٍ انساني دون النظر إلى أي اعتبارات سياسية أو دينية.
فهل من الحكمة أن تهدم إيران كافة الجسور خلفها من دون أن تفكر بجسر واحد للعودة؟
فهذا الأسلوب كان متبعاَ دائماً من قبل المسؤولين الإيرانيين المتعاقبين على دفة الحكم منذ ثلاثة عقود من خلال تعاطيهم مع الدول الأخرى، لاسيما مع دول مجلس التعاون الخليجي.
ومن المعلوم أن من لا يفهم لغة الحِكمة، يفسّر كلام الحكماء على أنه ينبعث من منطلق الخوف، وهذا ما يمكن ملامسته في مواقف إيران تجاه مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي دفع في نهاية الأمر إلى إغضاب حُـكماء الخليج، وتبلور ذلك في مواقف أكثر من مسؤول خليجي آخرهم الحكيم الشاب الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الإماراتي، الذي كان حريصاً في اختيار كلماته، التي عبّرت عن موقف صلب لا يتزعزع في رداء من اللباقة والحكمة، بذلك أرضى موقف بلاده الصارم من زيارة نجاد إلى جزيرة "أبوموسى" الإماراتية في ظروف بالغة الدقة والحساسية في المنطقة.
إن من الغباء السياسي أن تأتي مثل هذه الزيارة في هذا التوقيت بالذات، كما تعتبر خرقاً إيرانياً لاتفاق بين دولة الامارات وطهران على التحرك المشترك من أجل إيجاد حل للقضية ينتهي على رسالة سلبية من طهران بشأن مدى جديتها في الانخراط في أي جهد حقيقي لإنهاء النزاع.
فالموقف الإماراتي ثابت وراسخ منذ البداية في قضية الجزر المحتلة، ولن يتغير من مثل هذه التصرفات الصبيانية، والموقف ثابت منذ الاحتلال حيث تدعو الى حل سلمي سواء من خلال المفاوضات المباشرة أو اللجوء الى محكمة العدل الدولية، إلا أن طهران ترفض الذهاب إلى محكمة العدل الدولية وفي الوقت ذاته لا توجد مؤشرات إيجابية على رغبة ايران إلى البحث عن حل سلمي.
زيارة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد الى جزيرة أبوموسى الإماراتية المحتلة تكشف لنا عن النهج الاستفزازي لطهران، كما لا تحترم التعهدات في التعامل مع قضية الجزر الاماراتية.
في الوقت الذي ترفع فيه إيران شعارات الدفاع عن الأرض العربية المحتلة في فلسطين، فإنها تصر على احتلال أرض لدولة عربية مسلمة وجارة وترفض الاحتكام إلى الآليات السلمية المتعارف عليها في العالم المتحضر للتعامل مع مثل هذه المشكلات.
فالمراقب للوضع الإيراني يرى أن المسؤولين في طهران مازالوا يسلكون سياسات "الشاه" في منطقة الخليج، دون أن يمتلكوا القدرة أو الرغبة في التجاوب مع كل الدعوات سواء تلك التي صدرت من دولة الإمارات العربية المتحدة أو من مجلس التعاون الخليجي أو من الجامعة العربية المطالبة بضرورة حل أزمة الجزر وفق القوانين والشرعية الدولية.
فإبقاء هذه الأزمة من قبل إيران كقنبلة موقوتة من شأنه ألا يصب في خدمة مصالح إيران مع جيرانها في المنطقة أو الاستقرار أو الأمن الإقليمي، والزيارة عكست من ناحية أخرى تحدياً لمواطني دول مجلس التعاون الذين يتطلعون إلى التعايش السلمي مع الجارة إيران.
إن ملف الجزر الثلاث خط أحمر ولابد لإيران أن تعي هذه المسألة، ودول الخليج وبقية الدول العربية لن تسمح لإيران أو غيرها أن تبتلع الجزر على غفلة من الزمن، وهذه المطامع ليست جديدة في الأجندة الإيرانية، فالمسؤولون الإيرانيون إلى فترات قريبة يدعون أن الجزر الثلاث جزء تاريخي من إيران وهذه مغالطات تاريخية غير مقبولة سياسياً واستراتيجياً.
إن السياسة التوسعية للنظام الإيراني في محيطة الجغرافي واقتضام أراضي الغير هو سلوك مرفوض وغير مقبول، يعكس سياسة النظام في طهران في الهروب من أزماته الداخلية الى افتعال مشاكل مع الخارج، سرعان ما تتكشف الحقائق ويدرك الرأي العام المحلي والإقليمي والدولي أساليب النظام الشمولي في إيران التي يمارسها على شعبه وعلى دول الجوار.