أجمل أفلام الفنان محمود حميدة في نظري لم ينطق خلاله كلمة واحدة. فقد كان عبارة عن جثمان "ميت" يتناقله أصدقاؤه. يحدثونه في الفاضي والمليان وهو لا يدري من أمره شيئا.
عندما قام حميدة بذلك الدور العبقري لم يكن يعلم أن ثورة ستهب علي مصر، تتنازعها أطراف عدة. كل يدعي وصلا بليلى، و "ليلى" هذه عاجزة عن النطق لأنها ميتة كما في فيلم "جنة الشياطين"!
الثورة التي اسعدت العالم في الفترة من 25 يناير إلي 11 فبراير 2011، خيبت أمله فيما بعد. تحولت إلى "جنة شياطين" لرغي وأحاديث ليل في "التوك شو" لا تجني منه فائدة سوي ثروات هائلة تهبط علي النجوم الذين يقدمون تلك البرامج من الصحفيين "السابقين".. نعم الصحفي يستحق لقب "سابق" بعد أن ترك قلمه ومهنته الحقيقية وجلس أمام الميكروفون ليكرر كلاما معادا عشرات المرات مع ضيوف يتنقلون من قناة إلى أخرى ربما خلال ساعة واحدة، مقابل أن يستلم الواحد منهم في نهاية "الدردشة" مظروف الدولارات!
في جنة الشياطين.. أشخاص لا علاقة لهم بالسياسة يتكلمون فيها كمحترفين. ويضربون الأخماس في الأسداس في جدل بيزنطي حول الدستور والقوانين والانتخابات والرئيس المنتظر.
لا عجب أن تشهد متخصصا في الفن يتكلم في أعقد القضايا السياسية.. وكله بثوابه!.. مجموعات تلتف حول "ليلى" في جنة الشياطين. مفترضين أنها تسمع وترى وتتكلم وتقرر. لكنها في الحقيقة كدور "الميت" الذي أداه محمود حميدة. ربما الحركة الوحيدة التي تصدر منها أنها تخرج لسانها ساخرة كما فعل هو في أحد المشاهد!
مصر تخسر كثيرا في سجالات الوصل بجثمان "ميت". الاحتياطي النقدي لم يتبق منه سوي القليل. جرأة الاعتراض تتحدي القوانين في غياب سلطة الدولة. أخطر شيء أن لا تجد أحدا يأبه بقانون، بل يطالب بتجيير القانون له كأنه يلعب في حارة علي طريقة "فيها أو أخفيها"!
أنصار أبوإسماعيل مثلا وصلوا إلى مبني وزارة الدفاع ونقلوا ميدان التحرير إلى كوبري القبة وشارع الخليفة المأمون. وهذه نقلة خطيرة تعني الاقتراب من الاشتباك مع الجيش واشعال حرب أهلية، فقد رددت المظاهرات هتافات ترحب بتقديم آلاف "الشهداء" وإعدام المشير. وأغرب ما في المشهد أن ينضم إليه خصوم السلفيين والإسلاميين من أمثال نوارة نجم ونشطاء 6 أبريل وغيرهم من اليساريين والاشتراكيين مع أنهم سخروا من أبوإسماعيل وشمتوا فيه. وكتبوا "القوافي" حول جنسية أمه الأمريكية.
الخلاصة فوضي عارمة. إذا لم تستطع أن تصل من خلال طابور طويل إلى فرن الخبز فاقطع الطريق ولن يعترضك أحد. في أبوسمبل بمحافظة أسوان منع بضعة أفراد من أصحاب البوتيكات دخول السياح للمعبد الفرعوني الشهير ونجحوا في مهمتهم، حيث ضيعوا علي الشركات السياحية برنامجا مهما خسروا بسببه. والخسارة الأكبر تعانيها السياحة التي تضخ العملة الصعبة في بلد متأزم اقتصاديا.
القانون في إجازة وأي محاولة لتطبيقه معناه أنك معترض علي "ليلى".. أي الثورة التي يحركها المستفيدون كما كانوا يحركون جثمان محمود حميدة في "جنة الشياطين".. وهكذا جاء الاعتراض شديدا وعنيفا على تطبيق القانون على مواطن مصري اسمه أحمد الجيزاوي ذهب إلى السعودية ليعتمر. فضبطت سلطات مطار جدة معه اقراصا محظور تداولها هناك لأنها مصنفة في خانة الأدوية الممنوعة.
في الأحوال العادية، يتم التعامل مع موضوع كهذا في إطار قوانين الدولة التي خالفها الضيف، لا أن يتم تحويل المتهم إلى ثائر من ثوار يناير محاط بالحصانة فلا يقترب منه أحد مهما فعل، وهو ما يحدث في مصر غالبا.. حصانة الثورة أو حصانة "ليلى" الميتة التي غيبت سيادة القانون وارهبت الجهات الموكلة بتنفيذه!
تم تجنيد "علب" الليل التي صارت الوصف الصحيح لبرامج "التوك شو" المصرية للدفاع عن "ثائر" أقر واعترف بحملة لأدوية محظورة!
* نقلاً عن "الجمهورية" المصرية