الأربعاء 08 جمادى الأولى 1434هـ - 20 مارس2013م
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الثلاثاء 10 جمادى الثانية 1433هـ - 01 مايو 2012م KSA 15:15 - GMT 12:15

مصر.. وثورة بمليون رأس!

الثلاثاء 10 جمادى الثانية 1433هـ - 01 مايو 2012م
هاني نسيرة
هاني نسيرة

كانت رسالة صافية وشاعرة من صديق سعودي، اخترقتني عبر هاتفي ونصها: "أنتم في القلب ولن تفرقنا حوادث عابرة".. ورغم أني لم أتوقف عند الحادثة حواراً أو استفكاراً، ليقيني أنها عابرة ضامرة، إلا أن رسالته جددت في الصدر حرقته، وأزالت من الحلق غصته، حيث غدا الضجيج السياسي والإعلامي معلماً وغدا مسارنا معه اعتباطاً مؤلماً.. يسوق لشراء العداء في كل الأنحاء ولم يسلم منه الإخوة والأشقاء.

ما أتيقنه شخصياً أن ما بين البلدين والشعبين أعمق من أي حوادث كانت أو تكون، فإن لم تنجح كامب ديفيد ولا الخلاف الناصري السعودي قبلها في تشويه حقيقة الإخوة والتلاحم بين الطرفين، لاشك لن ينجح فرد هنا أو هناك في تشويهها!

ولكنه المشهد المصري بعد ثورة بلا رأس، غدت بمليون رأس، تصدم الوعي والوجدان، بعد أن غاب البريق الذي حملته وعودها طيلة ثمانية عشر يوماً قبل رحيل مبارك في 11 فبراير سنة 2011، ولازالت الثورة مستمرة والدولة مؤجلة تقدم على محطتها الرئاسية الأخيرة في الثلث الأخير من هذا الشهر، ولكن لازال مشروع الدولة بعد فسيفساء الثورة مثيراً للتساؤل والقلق في آن واحد!

بعد ثلاث وعشرين مليونية طيلة عام وما يقرب من ثلاثة أشهر، شهدتها مصر منذ رحيل مبارك، لازالت الثورة مستمرة تبحث عن تحققها وإسقاط النظام أو بقايا النظام، كما تبحث عن مشروعها الذي يدور خلافاً بين الإسلامية والمدنية، وبين الثورية والإصلاحية، وبين العام والفئوي الخاص، مع مناخ من عدم الثقة السياسية بين الجميع، يحتدم فيه صراع الإرادات والمليونيات والشرعيات كل يوم.. صراع على الشارع وعلى المكاسب والرواتب وعلى الدولة المؤجلة التي لم تتحدد بعض ملامحها ودستورها! على سحابات دخان كثيف من العنف الرمزي والعملي بين كل الذوات وكل الآخرين! داخلياً وخارجياً..

نعم.. يضرب العنف العشوائي في كل اتجاه حتى راح ضحيته في مذبحة كروية في بورسعيد عشرات القتلى ذات مساء، كانت بين فريقين مصريين وليس بين مصر والجزائر، كما كان قبل سنوات قليلة.. ويكفي أن نشير لبعض الحوادث الطائفية أو القبلية في الصعيد (محافظة قنا) وبعض مناطق الدلتا.. وحوادث الانفلات الأمني الغريبة حتى في وسط العاصمة! وقطع الطرق بين القرى والمحافظات حين يغيب الوقود أو تنقطع المياه!

هذا المشهد المثير غنيمة إعلام الإثارة لا المعالجة، حيث ضجيج الكلامولوجيا وشظايا الثورية الصاعدة في مصر، المصرة على شراء العداء في كل اتجاه، داخلياً وخارجياً، تخويناً أو تكفيراً أو عزلاً أو اتهاماً، وشهوة (شراء العداء) ماركة ثورية مسجلة.. فلن تكون ثورة من غير أعداء.. سواء من الداخل أو الخارج.. وصار كل الأبطال - الحقيقيين والأدعياء - مستهدفين، حتى لو ثبت كذبه فيما بعد! فكان الحديث بعد سقوط مبارك مثلاً عن ضغوطات خليجية على الثورة وعلى المجلس العسكري، كما تجددت نفس الاتهامات بتمويل خليجي لصعود الإسلاميين.. دون بينة أو دليل واحد! يحمله منطق متماسك! ولكنها شظايا الثورية الزاعقة التي لا تدرك خلطها وغلطها!

ثم كانت مساجلة العداء صوب دولة الإمارات العربية المتحدة في مارس الماضي، عبر تصريحات غير مسؤولة لمتحدث إخواني مرتبك - دائماً - ووجه بما يستحقه مصرياً وخليجياً على السواء! حين انبرى مهدداً ومدافعاً عمن لم يقدم لمصر شيئاً، وتمسح - كذباً - بالثورة السورية وقضيتها النبيلة لتصفية ثاراته وحسكاته تجاه الإمارات، بعد أن منع من دخولها لحديثه المداهن للإرهاب بعد أحداث سبتمبر عام 2001 ولأسباب أخرى، وهو من لم يقدم شيئاً يوماً لمصر، ولو قيس ما قدمه هذا الرجل لمصر بما قدمه الشيخ زايد - رحمه الله - من خير لمصر ما بلغ مدّه ولا نصفه ولا نصيفه ولا ذرة منه! ولا بلغ بعضاً من مكانته لدى المصريين..

ثم كان شراء العداء في أبريل الماضي تجاه الشقيقة الخليجية الأكبر، المملكة العربية السعودية وحكومتها، على هامش قضية محام مصري - يدعى أحمد الجيزاوي - تم ضبطه في مطار جده وبحوزته أقراص مخدرة، وتم القبض على مواطن سعودي متهم بالشراكة معه في الأول من مايو - حسب جريدة اليوم السابع المصرية - ولكن قبل أن تنتهي التحقيقات وتقرأ الملفات، وتسفر المتابعات عن نتائج، كان النزق الإعلامي المصري ينفخ في النار.. كعادته.. يشترى العداء ويسيء للأشقاء والأصدقاء دون مسؤولية مهنية وأخلاقية وسياسية يرتقى إليها.. لحساب تخمة الثورية المدعاة.. فالأكثر إثارة وتهييساً شعبياً في مصر - أسفاً - هو الأكثر جماهيرية للأسف! وتوجه عشاق التظاهر وبعض أسر المتهمين في السعودية والمتعاطفين معهم لمقرّ السفارة ممارسين رذيلة السب والتجرؤ وغواية الثورية المدعاة! وهو ما أغضب كل مصري عاقل، وهم الأغلبية الكادحة والصادقة التي أقصاها النظام السابق كما يقصيها الآن بعد مدعي الثورة عليه..

وإلى الذين يغضبون من التحقيق مع المحامي المذكور، هل يفسرون لنا غضبهم وثورتهم حين سمح للمتهمين الأمريكيين في قضية منظمات المجتمع المدني بالسفر إلى بلدانهم، فالمتهم - وهو بريء حتى تثبت إدانته - يحاكم حسب قوانين البلد موضع الجريمة متى ثبتت!! ولكن الاستباق والاحتكام لما نراه ونتمناه قبل التحقق ومعرفة الحقيقة، فهو مراهقة فكرية وثورية على الجميع أن يتجاوزها! رحمة بمصر التي أرهقت باعترافنا جميعاً! ألم تتبرأ مختلف ائتلافات شباب الثورة ممن هاجموا السفارة الإسرائيلية.. فلماذا لم يجتمعوا على رفض ما حدث الآن ضد السفارة السعودية.. أم أنها مكاييل اللاعقل تكيل! إنهم من يحاصرون وزارة الدفاع! ومحاصرو السفارة السعودية قبل قليل! ومن يحاصرون مصر ولا يحررونها من ذواتهم وبطولاتهم المجانية غير المسؤولة داخلياً أو خارجياً! ولهم قول الأفوه الأودي حين قال:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم... ولا سراة إذا جهالهم سادوا!

فالعقل وحده يثبت الحقيقة وليس تصديق ما لا نعرف.. قد يثبت كذب الجيزاوي كما ثبت كذب البلكيمي وقد لا يثبت.. ولكن الجرأة على الأشقاء وشراء العداء وبطولة الادعاء فخط أحمر! يا سادة.. لترحموا مصر الداخل قبل الخارج.