الأربعاء 08 جمادى الأولى 1434هـ - 20 مارس2013م
F C www.weather.com
c°
.
.
تفاصيل | تغيير المدينة
الرطوبة .
الرؤية .
الضغط الجوي .
حالة الضغط .
سرعة الرياح .
اتجاه الرياح .
شروق الشمس .
غروب الشمس .
اليوم
العليا °. الدنيا °.
غداً
العليا °. الدنيا °.
www.weather.com
يرجى كتابة اسم المدينة التي تود الحصول على بيانات حالة الطقس الخاصة بها باللغة الإنكليزية
آخر تحديث: الثلاثاء 10 جمادى الثانية 1433هـ - 01 مايو 2012م KSA 17:30 - GMT 14:30

قضية الجيزاوي.. وإفرازات الربيع العربي

الثلاثاء 10 جمادى الثانية 1433هـ - 01 مايو 2012م
عبدالله الرشيد

ما الذي حدث؟ لماذا سببت قضية المحامي المصري أحمد الجيزاوي الموقوف في السعودية بتهمة تهريب المخدرات كل هذا الجدل المحتدم مابين الشعبين السعودي والمصري، وساهمت في توتير علاقات راسخة وطويلة بين بلدين شقيقين مع أن مثلها يحدث كثيراً في السابق سواء في الجانب السعودي أو الجانب المصري؟ فالمشهد أمامنا بحسب الرواية الرسمية السعودية والمصرية هو مخالفة جنائية من مواطن مصري على الأراضي السعودية استحق بناء عليها تنفيذ الإجراءات القانونية المتبعة، تماماً ككل القصص الشبيهة التي تحدث بين مواطني دول العالم… إذن ما الذي اختلف؟

الحقيقة أن نفسية الجماهير العربية هي التي اختلفت ولم تعد كما كانت في السابق، فقد ساهمت أحداث الربيع العربي في تحويل صوت الجمهور والشعب إلى مراتب المقدس المطلق الحاكم الطاغي على صوت المنطق والعقل، هذا الجمهور بعد نشوة الربيع العربي انطلق مع ذاته وشاهد نتائجه تتحقق على أرض الواقع بسقوط حكام وأنظمة قمعية استمرت طويلاً على كراسيها، فأعطته هذه النتائج مسحة قدسية جعلته يتغول ويقدم نفسه كقائد يرسم ملامح المرحلة، ويفرض خطط التغيير، التنمية، والمستقبل، بينما الحقيقة أن هذه الجماهير المتمردة على سيادة القانون، وقيم الحقوق، وموازنات العلاقات الدولية والدبلوماسية تدفع نحو تقويض السلم الاجتماعي، وافتعال معارك وخصومات من أجل تحقيق نتائج سريعة تشبع الهوس العاطفي التسلطي المستبد الذي انتقل من الفرد الحاكم إلى الجمهور… كنا في السابق نعاني من استبداد فرد، فأصبحنا نعاني من استبداد مجموعة ضخمة من الأفراد.

يتفق المحللون والمؤرخون دائماً أن الجماهير تحركها الشعارات العاطفية، هي ميالة لتصديق الإشاعات والأكاذيب والأساطير، وتضخيم الأحداث، ترفض المحاججة العقلية التأملية، نزاعة نحو الحسم والإيمان المطلق بقضاياها، لأن أي محاججة عقلية أو جدال سوف يساهم في تفكيك المجموع وبث الفرقة والشك في صفوفه، ولذلك قيادات الجمهور يرفضون أي صوت عقلي أو منطقي يتسلل للصفوف يريد أن يناقش مآلات هذه التصرفات وأشكالها، كما حدث مع ابن عباس رضي الله عنه حين ذهب لمناقشة “مجموع” الخوارج الذين ثاروا على الخلافة الإسلامية وكفروا علياً ومعاوية، رفض بعضهم متخوفاً من أن تساهم مناقشات ابن عباس في شق صف المجموع الثائر المتمرد وقالوا لا تناقشوه ولا تخاصموه فهو من قريش، والله قال عنهم (بل هم قوم خصمون)، بينما طائفة أخرى تنزلت لمقام ابن عباس وقربه من الرسول عليه السلام، وناقشته، وكانت النتيجة أن ساهمت النقاشات والتساؤلات العقلية التي اخترقت صف المجموعة من الخارج في انشقاقه لنصفين حيث تقول بعض الروايات أنه رجع مع ابن عباس أربعة آلاف وبقي مثلهم.

من إفرازات الربيع العربي تحول قيمة الثورة والمعارضة إلى وسيلة إثبات وجود وحضور لهذه الفئات التي ترفع شعارات الحقوق والإصلاح والحرية، ومع مرور الوقت تصبح هذه الشعارات غاية بحد ذاتها، ويصبح الواقع المليء بالمشاكل أكبر أمان وضمان لاستمرارهم، ويتحولون بوعي أو بدون وعي إلى أدوات تحارب التطور والتقدم لأنه بالضرورة يلغي أي قيمة لوجودهم أو مطالبهم، تجلى ذلك في تصرفات المنتفضين بسرعة في السعودية إلى إدانة سلطات بلادهم وتجريمها كالعادة لأنها يجب أن تكون مخطئة دائماً حتى لاتتوقف مسيرتهم في الشحن والتجييش ولو كان ذلك بناء على معلومات وإشاعات يباع فيها الوطن من أجل تحقيق حضور وأمجاد شخصية.

إنهم سيكونون أول متذمر من أي إصلاح حقيقي على أرض الواقع تقدمه النخبة الحاكمة، لأن هذا يعني سحب البساط من تحتهم، وانفضاض الجماهير من حولهم.
إن الخطر الحقيقي الذي تسببه تحركات الجماهير المنفلتة، في ظل تراجع سيادة مؤسسات الدولة، وضمور النخب المثقفة، خصوصاً في مرحلة مابعد الثورات هي مساهمتها بشكل فعال في إسقاط الحضارات العتيقة… فدولة كمصر قدمت للبشرية حضارة عريقة على مدى العصور، وثار شعبها من أجلها ومن أجل تاريخها.. لكن الآن الجماهير الثائرة بنفسيتها المتطرفة النزقة، وتصرفاتها العاطفية العجولة، أصبحت تأكل نفسها بنفسها، وتنخر في بناء حضارتها الكبير.

هذه النقطة يؤكدها بقوة عالم نفس الجماهير غوستاف لوبون الذي قال: (إن الدور الأكبر الذي تلعبه الجماهير هو تدمير الحضارات العتيقة، فالتاريخ يعلمنا أنه عندما تفقد القوى الأخلاقية التي تشكل هيكل المجتمع زمام المبادرة من يدها فإن الانحلال النهائي يتم عادة على يد الكثرة اللاواعية والعنيفة. فقد كانت الحضارات قد بنيت ووجهت حتى الآن من قبل نخبة أرستقراطية مثقفة قليلة العدد، ولم تبن أبداً من قبل الجماهير، فهذه الأخيرة لا تستخدم قوتها إلا في الهدم والتدمير، كما أن هيمنتها تتمثل دائماً مرحلة من مراحل الفوضى، فالحضارة ـ أية حضارة ـ تتطلب قواعد ثابتة ونظاماً محدداً ومستوى عالياً من الثقافة وقدرة على استشراف المستقبل، وكل هذه العوامل غير متوافرة لدى الجماهير المتروكة لذاتها التي تمارس فعلها كالجراثيم، و تتضخم ثقتها بنفسها ساعة اطمئنانها بعدم المحاسبة والمعاقبة).
إن التحدي الحقيقي أمام المثقفين وصناع الرأي والوعي هو التصدي لسطوة الجماهير، ومواجهة استبدادها، دور القادة والنخبة هو في مرحلة حساسة تحتم صناعة ثورة وعي مضادة لحماية الإرث الحضاري من التداعي أمام حركة الجماهير المنفلتة، والتظافر من أجل تكوين بنية متماسكة من التعاقد الاجتماعي وضمان الحقوق، وتعزيز القيم الديمقراطية الحقيقية بدلاً من المزايدة على شعاراتها.

**نقلا عن مجلة "المجلة"